سامر الشاماني يكتب:”الحلم الذي لم تكسره 7 ساعات في مطار أمريكا”

لم تكن شباك المرمى هي الخصم الوحيد الذي واجهه المهاجم العراقي أيمن حسين طوال مسيرته، بل كانت الحياة نفسها، بقسوتها وتقلباتها، الخصم الأشرس الذي حاول مراراً كسر إرادته. لكن ابن قرية “الصفرا” في كركوك، وُلد من رحم المعاناة ليصنع قصة كفاح ملهمة، متسلحاً بابتسامة تخفي خلفها شجاعة استثنائية، وعزيمة رفضت الاستسلام حتى قادت “أسود الرافدين” إلى معانقة التاريخ والتأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026 بعد غياب دام أربعين عاماً كاملة عن المحفل العالمي خلف النجم اللامع الذي تهتف باسمه الملايين اليوم، حكاية طفل تذوق مرارة الفقد مبكراً في بلد أنهكته الصراعات. كان والده ضابطاً في الجيش العراقي، واجه بكل شجاعة تهديدات الجماعات الإرهابية رافضاً التخلي عن واجبه، حتى اغتيل عام 2008 على يد تنظيم “القاعدة” لم تنته مأساة العائلة عند هذا الحد، فبعد سنوات، اختطف تنظيم “داعش” شقيقه الأكبر الذي كان يعمل في سلك الشرطة، ليبقى مصيره مجهولاً حتى يومنا هذا ومع تفاقم الأوضاع الأمنية، دُمر منزل العائلة بالكامل في قريتهم، ليجد نفسه نازحاً بلا مأوى، ومجبراً على العمل الشاق في سن صغيرة لإعالة أسرته من تلك النيران، صُهرت شخصية أيمن حسين؛ لاعب لم يعد يخشى شيئاً في المستطيل الأخضر بعد أن واجه أقسى ما يمكن أن تقدمه الحياة من آلام وفقدان.وقبل تسع سنوات، وتحديداً في عام 2017، ظهر أيمن حسين في مقابلة تلفزيونية وهو لاعب شاب يتحسس خطاه الأولى، وبابتسامة واثقة قال بجرأة تحدت الظروف المحيطة بكرته المحلية: “سنتأهل إلى كأس العالم” في ذلك الوقت، قوبلت كلماته بسخرية من البعض واعتبرها آخرون ضرباً من الخيال العاطفي. لكن التاريخ لا ينسى الوعود الصادقة؛ ففي التصفيات الحاسمة لمونديال 2026، ارتدى أيمن ثوب البطل، وقاد الهجوم العراقي ببسالة نادرة، وجاءت لحظة الانفجار الكبير في المكسيك، حين نجح في تسجيل هدف الفوز التاريخي في شباك منتخب بوليفيا في نهائي الملحق العالمي ليقود المباراة إلى الانتصار بنتيجة (2-1)، ويزف الفرحة الطال انتظارها إلى 46 مليون عراقي، محققاً نبوءته القديمة وفي كل حوار وعقب كل إنجاز، يحرص أيمن حسين على الإشارة إلى مصدر قوته الحقيقي وسلاحه السري: والدته هذه الأم الصابرة التي عاصرت معه مرارة النزوح واليتم، كانت طوال مسيرته الجندي المجهول خلف الشاشات. وخلال التصفيات، تداول العراقيون لقطات مؤثرة للأم وهي تترك متابعة المباريات لشدة توترها وخوفها عليه، وتتجه نحو القبلة رافعة يديها بالدعاء لنجلها وزملائه وفي اتصال هاتفي شهير جرى بينهما عقب صافرة التأهل التاريخي، قالت له بنبرة مليئة بالدموع والفخر: “كنت أدعو لك قبل الإفطار؛ يا رب انصر أيمن وجماعته.. دعواتي مستمرة لكم وهي كلمات تختصر سر التوفيق الإلهي الذي يرافق أقدام هذا اللاعب في اللحظات الحرجة من المباريات الكبرى.وحتى وهو على أعتاب المجد المونديالي هذا الصيف، أبت الأزمات إلا أن تلاحق هداف العراق وتختبر ثباته. ففور وصول بعثة المنتخب الوطني إلى الولايات المتحدة الأمريكية لخوض منافسات كأس العالم، تعرض أيمن حسين لاحتجاز مفاجئ واستجواب دقيق من قبل سلطات الهجرة في مطار شيكاغو استمر لنحو 7 ساعات متواصلة بذريعة التدقيق الأمني والإجراءات الإدارية أثار هذا الإجراء تعاطفاً وغضباً عارماً في الشارع الرياضي العراقي والعربي، لكن “ايمن حسين” واجه الموقف بذات الهدوء والابتسامة الواثقة التي يواجه بها حراس المرمى وانتهت الأزمة بسلام ليغادر المطار ويلتحق مباشرة بمعسكر الأسود
مسيرة أيمن حسين ليست مجرد حكاية لاعب كرة قدم سجل أهدافاً حاسمة؛ بل هي درس حي في الكبرياء، ورسالة تؤكد أن الابتسامة الشجاعة والعمل الدؤوب كفيلان بهزيمة الهزيمة وصناعة المعجزات



