مقالات رأي

سامر الشاماني يكتب:’بين سخاء القيادة وعقم المخرجات”

 

يمر القطاع الرياضي بمرحلة مفصلية مدعومة برؤية طموحة ودعم سخي غير مسبوق من لدن سمو سيدي ولي العهد -حفظه الله
الذي وضع الرياضة في صلب خطط التحول الوطني كركيزة اقتصادية واجتماعية وتنموية

ورغم هذا الدعم المالي والتنظيمي الهائل، إلا أن الشارع الرياضي لا يزال يصطدم أحياناً بـ “فشل مستمر” في بعض المخرجات، وتكرار للأخطاء الإدارية والفنية

هذا التباين الصارخ يفرض وقفة نقدية حادة ومصارحة شفافية لتشخيص الأزمة ومعرفة أين تكمن العلة الكبرى، خصوصاً وأننا نقف على أعتاب استضافات تاريخية كبرى تتطلب الجاهزية القصوى من بطولات قارية ستلعب في السعودية، وكؤوس إقليمية ومنها كأس العرب، وصولاً إلى مونديال 2030 المرتقب، والمونديال التاريخي الأكبر كأس العالم 2034 الذي نستضيفه على أرضنا

استمرار الإخفاقات في بعض المفاصل الرياضية لا يعود مطلقاً لشح الإمكانات، بل لعلل هيكلية وثقافية واضحة، أبرزها شخصنة العمل الإداري وغياب المؤسساتية فالكثير من الأندية والاتحادات تعتمد على “أشخاص” يرحلون وترحل معهم الخطط، بدلاً من بناء منظومة عمل مستدامة ومستقلة
ويصاحب ذلك إقصاء واضح للكفاءات الوطنية وتدوير لنفس الأسماء المستهلكة إدارياً وفنياً، مع تهميش الكفاءات الأكاديمية والمهنية الشابة التي تمتلك العلم والخبرة الحديثة، بالإضافة إلى سيطرة ثقافة النتائج المؤقتة والتركيز على الفوز اللحظي والصفقات الاستعراضية سريعة الأثر، على حساب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى الذي ينظر إلى خارطة المنافسات العالمية القادمة

هذا الخلل الهيكلي ألقى بظلاله مباشرة على معضلة المخرجات واللاعبين، حيث تحولت الأكاديميات الرياضية الحالية في كثير من الأحيان إلى مشاريع تجارية ربحية بدلاً من كونها مصانع حقيقية للمواهب
والنتيجة الطبيعية هي خروج لاعبين بـ “أقل الإمكانيات” الفنية والبدنية والذهنية، يعجزون تماماً عن منافسة الكبار

إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى التغيير – نرغب بجيل يكون جودة ومخرجاً متكامل العطاء، جيل يمتلك الإمكانيات العالية والقدرة على صنع الفارق في أصعب المحافل

اللاعب “الذكي عالي الجودة” لا يولد بالصدفة ولا يصنع بالارتجال، بل هو نتاج بيئة علمية صارمة تدمج بين التكوين الرياضي، والتعليم، والتغذية، والمتابعة النفسية، وهو ما يجب أن تتضمنه مخرجاتنا القادمة لتحدث الفارق الحقيقي وتليق باسم المملكة كدولة مستضيفة ومنافسة على كؤوس العالم والبطولات القارية والعربية
ولتحويل الدعم القيادي السخي إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، يجب تبني نقاط تغيير جذرية وعاجلة تبدأ أولاً بإلزامية الرياضة المدرسية وعودة دوري المدارس بشكل مكثف واحترافي ليكون خط الفرز الأول للمواهب

كما يتطلب الأمر فرض معايير صارمة للأكاديميات وربط تراخيصها بوجود مدربين معتمدين ومناهج تطويرية واضحة، مع توجيه نسب ثابتة من الدعم المالي للأندية لإنفاقها إجبارياً على قطاعات الناشئين والشباب، لضمان استمرار ضخ الدماء الجديدة ذات الإمكانات المرتفعة في عروق الرياضة الوطنية وتجهيز الصفوف للمونديال وما بعده

أما الخطوة الحاسمة لنجاح هذا التحول فتمكن في إعطاء الكفاءات الوطنية
الرياضية” لحصر الكوادر المؤهلة أكاديمياً في الإدارة والتدريب والطب الرياضي والتسويق، وإلزام المنظومات الرياضية بالاستعانة بهم يجب إنهاء عصر “المحسوبيات” في التعيينات، وإحلال الكفاءة بدلاً من الثقة، وجعل معيار البقاء هو تحقيق مؤشرات الأداء
بالتوازي مع توفير برامج معايشة دولية للمدربين والإداريين الوطنيين في أكبر الأندية العالمية، لمنحهم القيادة الكاملة للمشاريع السنية وتفويضهم بصناعة هذا الجيل المتكامل والمبهر القادر على مجابهة أقوى منتخبات الأرض في المحافل القادمة

دعم سيدي للمشروع الرياضي وضع بين أيدينا أدوات النجاح الكاملة والبيئة المثالية، ولم يعد هناك أي عذر للمسؤولين في استمرار التخبط والارتجال
التغيير يبدأ بالإيمان بأن الرياضة “علم وصناعة” وليست مجرد “وجاهة شخصية”
ومتى ما تم تمكين الكفاءة الوطنية المخلصة وصياغة خطط طويلة الأجل لبناء اللاعبين من الجذور، سنشهد طفرة رياضية حقيقية تضع بطلنا الوطني ذو الإمكانيات الاستثنائية في منصات التتويج العالمية بجدارة واستحقاق، لنبهر العالم تنظيماً داخل الملعب وبأداء بطولي ومخرجات حقيقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com