مقالات رأي

غياب التهيئة الفنية والاحترافية وضعف المنتخب السعودي

 

لم يعد الحديث عن تراجع المنتخب السعودي مجرد انطباعات جماهيرية عابرة أو ردود فعل مرتبطة بنتيجة مباراة هنا أو خسارة بطولة هناك، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على كل متابع للشأن الرياضي. فالمشكلة التي يعيشها المنتخب اليوم أعمق من خسارة ثلاث نقاط أو الخروج من بطولة، لأنها ترتبط بغياب الهوية الفنية وضعف المنظومة الاحترافية التي يفترض أن تكون أساس نجاح أي منتخب يطمح للمنافسة على المستويات القارية والعالمية.

على أرض الملعب، يفتقد المنتخب السعودي إلى الشخصية الواضحة التي تميزه عن منافسيه. ففي كل مرحلة يظهر بأسلوب مختلف، وكأن الفريق يبدأ من الصفر في كل استحقاق. لا توجد ملامح فنية مستقرة، ولا فلسفة لعب واضحة يمكن البناء عليها لسنوات. وبين الدفاع المبالغ فيه تارة، والاندفاع غير المنظم تارة أخرى، يضيع المنتخب في تفاصيل المباريات ويمنح منافسيه الأفضلية بسهولة.

ومما يستدعي القلق المتزايد أن الأخطاء نفسها تتكرر دون معالجة حقيقية. ضعف في استغلال الفرص، أخطاء فردية مؤثرة، بطء في التحول بين الدفاع والهجوم، وعجز عن فرض الإيقاع أمام المنتخبات المنظمة. وهذه المشكلات لا يمكن اعتبارها مجرد أخطاء عابرة، بل مؤشرات على وجود خلل فني يحتاج إلى مراجعة شاملة وجريئة.

ورغم الطفرة الهائلة التي تشهدها كرة القدم السعودية على مستوى الأندية والبنية التحتية والاستثمارات، فإن المنتخب الوطني لم ينجح حتى الآن في ترجمة هذه المكاسب إلى قوة حقيقية داخل المستطيل الأخضر. فالملايين التي تُنفق، والمشروعات التي تُطلق، والدعم غير المحدود الذي تحظى به الرياضة السعودية، يفترض أن تنعكس على مستوى المنتخب بشكل أكثر وضوحًا واستقرارًا.

لكن المشكلة لا تتوقف عند الجانب الفني فقط، بل تمتد إلى مفهوم الاحترافية نفسه. فالاحتراف ليس راتبًا مرتفعًا أو عقدًا ضخمًا أو ظهورًا إعلاميًا لافتًا، بل هو التزام يومي وانضباط ذهني وبدني وسلوك احترافي داخل وخارج الملعب. المنتخبات الكبرى لا تنجح لأنها تمتلك لاعبين موهوبين فقط، بل لأنها تمتلك لاعبين يدركون حجم المسؤولية التي يحملونها عندما يمثلون أوطانهم.

في المقابل، تبدو بعض المنتخبات الآسيوية التي كانت أقل من السعودية تاريخًا وإمكانات أكثر تنظيمًا واستقرارًا. لقد بنت هذه المنتخبات مشاريع طويلة الأمد، واستثمرت في الفئات السنية، وحددت هوية واضحة لمنتخباتها الوطنية، فكانت النتيجة حضورًا ثابتًا وتطورًا مستمرًا. أما المنتخب السعودي فما زال يتنقل بين الحلول المؤقتة وردود الأفعال السريعة، دون وجود مشروع واضح المعالم يحكم مساره لسنوات مقبلة.

من حق الجماهير السعودية أن تتساءل: أين انعكاس كل هذا الدعم على المنتخب؟ وأين الشخصية التي كانت تجعل المنافسين يحسبون ألف حساب للأخضر؟ وأين الروح التي صنعت أمجاد الكرة السعودية في المحافل القارية والعالمية؟

إن النقد اليوم ليس تشكيكًا في الجهود المبذولة، ولا انتقاصًا من قيمة اللاعبين أو الأجهزة الفنية، بل هو مطالبة مشروعة بمراجعة شاملة وصادقة. فالمجاملات لا تصنع الإنجازات، والبحث عن الأعذار لا يطور المنتخبات. وما يحتاجه المنتخب السعودي في هذه المرحلة هو الاعتراف بالمشكلة أولًا، ثم العمل على معالجتها وفق رؤية واضحة ومشروع طويل الأمد يضع مصلحة المنتخب فوق كل اعتبار.

فالمنتخب السعودي يملك تاريخًا عريقًا، وقاعدة جماهيرية ضخمة، ودعمًا استثنائيًا لا يتوفر لكثير من المنتخبات. لكن امتلاك الإمكانات وحده لا يكفي، ما لم يقترن بالعمل الاحترافي والتخطيط السليم والاستقرار الفني. وعندما تتحول هذه العناصر إلى واقع ملموس، يمكن للمنتخب أن يستعيد مكانته الطبيعية، لا كمنتخب يشارك فقط، بل كمنتخب ينافس ويحقق الإنجازات التي تليق باسم المملكة ومكانتها الرياضية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com