حسن آل قريش يكتب:” وداع مر”

أسدل المنتخب السعودي الستار على مشاركته في كأس العالم 2026 بوداع مر، بعدما أخفق في انتزاع بطاقة التأهل إلى دور الـ32، رغم أن الفرصة ظلت قائمة حتى صافرة النهاية في الجولة الأخيرة. وكان الفوز على منتخب الرأس الأخضر كافيًا لكتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة السعودية، إلا أن التعادل السلبي أنهى الحلم، ليغادر الأخضر البطولة من دور المجموعات للمرة السادسة في تاريخه.
بدأ المنتخب السعودي مشواره بصورة إيجابية عندما فرض التعادل على أوروغواي، ليمنح جماهيره جرعة كبيرة من التفاؤل، قبل أن يتلقى خسارة ثقيلة أمام إسبانيا كشفت العديد من أوجه القصور الفنية. ومع دخول الجولة الثالثة، كانت الحسابات واضحة، والانتصار وحده كفيلًا بإهداء الأخضر بطاقة العبور، لكن الفريق ظهر بأداء متحفظ، وافتقد الحلول الهجومية والقدرة على صناعة الفرص، ليكتفي بنقطة لم تكن كافية.
ورغم امتلاك المنتخب مجموعة من العناصر المميزة، فإن الأداء الهجومي ظل العنوان الأبرز للإخفاق، إذ سجل هدفًا واحدًا فقط في ثلاث مباريات، بينما غابت الخطورة الحقيقية أمام مرمى المنافسين. وفي المقابل، كان الحارس محمد العويس أحد أبرز نجوم المنتخب، بعدما أنقذ فريقه في أكثر من مناسبة، وحافظ على آماله حتى اللحظات الأخيرة، إلا أن تألقه الفردي لم يكن كافيًا لتعويض غياب الفاعلية الهجومية.
الأرقام تؤكد أن الأخضر أنهى مشاركته برصيد نقطتين فقط من ثلاث مباريات، ليضيفهما إلى سجله التاريخي الذي بلغ 16 نقطة في سبع مشاركات مونديالية، مقابل أربعة انتصارات وأربعة تعادلات و14 خسارة. ورغم أن هذه المشاركة جاءت أفضل من نسخة 2002 من حيث النتائج، فإنها لم تحقق الطموحات التي سبقت البطولة، خاصة في ظل اقتراب المنتخب من التأهل حتى الجولة الأخيرة.
الخروج من المونديال يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والتصحيح. فالمنتخب السعودي يمتلك قاعدة قوية من اللاعبين، ويحظى بدعم غير مسبوق، لكن ذلك يحتاج إلى استثمار فني أفضل، وإلى معالجة واضحة للمشكلات التي ظهرت في البطولة، وفي مقدمتها ضعف الفاعلية الهجومية والتردد في المباريات الحاسمة، وهي أمور كلفت الأخضر حلم التأهل.
ويبقى الأمل معقودًا على المستقبل، فالأخضر أمامه استحقاقات مهمة لا تحتمل تكرار الأخطاء. البداية ستكون في كأس الخليج المقبلة، التي تمثل فرصة لاستعادة الثقة وتصحيح المسار، قبل التحدي الأكبر في كأس آسيا 2027، التي تستضيفها المملكة العربية السعودية وسط جماهيرها. ولن يكون مقبولًا وقتها سوى المنافسة على اللقب، بل إن التتويج بكأس آسيا وحده سيكون كفيلًا بمداواة جراح الخروج المؤلم من مونديال 2026، وإعادة الثقة للجماهير، والتأكيد أن ما حدث في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لم يكن سوى كبوة عابرة في طريق منتخب يملك كل المقومات للعودة أقوى والمنافسة على البطولات القارية والدولية.
ورغم مرارة الوداع، فإن المستقبل لا يزال يحمل الكثير من الفرص للأخضر. فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بإخفاق واحد، وإنما بقدرتها على النهوض والتعلم من الأخطاء. وإذا نجح المنتخب السعودي في استثمار الدروس التي خرج بها من هذه المشاركة، فإن جماهيره ستكون على موعد مع عودة أقوى، تليق بتاريخ الكرة السعودية وطموحاتها، وتجعل من خيبة مونديال 2026 حافزًا لصناعة إنجاز جديد يعيد الابتسامة إلى المدرجات ويكتب صفحة أكثر إشراقًا في السنوات المقبلة.



