عثمان عمرو الغتنيني يكتب :”اهبطوا مصر”

إذا تحدثنا عن مصر فأي باب نطرق وأية نافذة نفتح، فمصر ليست بلداً عادياً يمر في الحديث مرور الكرام، مصر تاريخ يمشي على الأرض وحضارة تكتب نفسها كل يوم على ضفاف النيل، وهي التي إذا ذكرت وجب على الجميع أن يهبط احتراماً وتقديراً لما حملته الأجيال على كتفيها من علم وأدب وفن وسياسة ورياضة.
أبدأ بمصر الثقافة والأدب لأنها كانت ولا تزال منارة العرب الأولى، ومن رحمها خرج نجيب محفوظ ذلك الأديب الذي لم يكتب رواية بل رسم القاهرة كلها بحاراتها وأزقتها وفقرها وغناها، فكانت الثلاثية وزقاق المدق وأولاد حارتنا مرايا نرى فيها مصر كما هي دون زيف ودون تجميل، حتى انحنى له العالم ومنحه نوبل فصار صوت القاهرة مسموعاً في كل المكتبات. وبجانبه يقف طه حسين عميد الأدب العربي، ذلك الرجل الذي هزم الظلام بعقله وقلبه رغم أن العينين أطفأهما القدر، فكتب الأيام وصار درساً في الصبر والعلم والإرادة، وكان صوته يقول للأمة إن المستقبل لهذا الدين ولهذه اللغة ولهذا العقل العربي الذي لا يعرف المستحيل.
وإذا ذكرنا الأدب ذكرنا توفيق الحكيم ذلك الضمير المسرحي الذي جعل من الخشبة منبراً للفكر، فكتب أهل الكهف ويا طالع الشجرة وعودة الروح ليقول لنا إن الفن حين يلتقي بالفلسفة يصبح أقوى من الجيوش وأبقى من السنين.
ثم ننتقل إلى مصر الإعلام والسياسة حيث يقف محمد حسنين هيكل شامخاً كالجبل، فهو لم يكن مجرد صحفي يكتب مقالاً في الأهرام، بل كان مؤرخاً لعصر كامل وشاهداً على أسرار أمة وقلماً يقرأه الرؤساء في القصور كما يقرأه الناس في المقاهي، ومن أراد أن يفهم نصف قرن من تاريخ العرب فليقرأ هيكل ولينصت لصوته الهادئ وهو يفك الخرائط ويشرح المواقف. وبجواره يأتي حمدي قنديل ذلك الإعلامي الذي لم يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه، صاحب قلم رصاص ورئيس التحرير، الرجل الذي كان يسأل السؤال الصعب في وجه السلطة دون أن يرتجف، فصار صوت الشارع ولسان الناس وجرأته مدرسة لكل من أراد أن يكون إعلامياً بمعنى الكلمة.
أما الرياضة فهي وجه آخر من وجوه الإبداع المصري، فالكرة في مصر ليست لعبة حديثة بل هي تاريخ متجذر منذ الأزل، أنجبت ملاعبها أسماء ذاع صيتها في القارة والعالم، من الخطيب إلى حسن شحاتة إلى أبو تريكة وبركات، وصولاً إلى محمد صلاح الذي حمل اسم مصر على قميص ليفربول وجعل أنفيلد يردد اسمه كما تردده شوارع القاهرة، وحين تأهل المنتخب المصري للدور الثاني في المحافل الكبرى وقفنا نحن العرب جميعاً أمام الشاشات ندعو لصلاح ورفاقه أن يرفعوا رؤوسنا في العلالي، لأن قميص مصر عندنا هو قميص العرب جميعاً وفرحها هو فرحنا وهزيمتها توجعنا كما توجع أهلها.
ومصر في وجداننا ليست كتباً ولا ملاعب ولا صحفاً فقط، مصر هي البيت الكبير الذي درس فيه أبناؤنا وتتلمذ فيه مدربونا، وهي التي كانت السند والمعلم والملجأ لكل عربي ضاقت به الدنيا، ولذلك نحن في اليمن وفي حضرموت تحديداً لنا معها ذكريات لا تنسى، فكم من طالب جلس في مدرجاتها وكم من جمهور حفظ اسمها قبل أن يحفظ أسماء لاعبيها.
لهذا كله أقول اهبطوا مصر، لا هبوط ذل ولا هبوط ضعف، بل هبوط احترام أمام أرض تلد العمالقة ولا تبخل، أمام أرض إذا ذكرتها وجدت الأدب والفكر والإعلام والرياضة مجتمعة في قلب واحد ينبض عروبة، فسلام على مصر أم الدنيا، وسلام على محفوظ وطه والحكيم وهيكل وقنديل، وسلام على من سيأتون بعدهم ليكملوا المسيرة، فمصر لا تموت لأنها كل يوم تلد من رحمها رجلاً وامرأة جديدة يحملون مشعلها إلى الأمام.



