سالم الحبسي يكتب:”حين ارتدت كرة القدم الرقم (10) مرتين..ميسي ومارادونا، آخر المعجزات التي أنجبتها الأرجنتين”

في الأرجنتين، لا تبدأ كرة القدم عند صافرة الحكم، ولا تنتهي عند رفع الكأس. إنها تبدأ في الأزقة التي يسبق فيها الحلمُ الإمكانات، وفي الأحياء التي تصبح فيها الكرة وعدًا بالخلاص أكثر من كونها لعبة. هناك، بين ضجيج بوينس آيرس وهدوء روساريو، كتبت الأرجنتين فصلين من الرواية ذاتها؛ الأول حمل اسم دييغو أرماندو مارادونا، والثاني ليونيل أندريس ميسي. لم يكن أحدهما امتدادًا للآخر، بل كانا برهانين مختلفين على أن العبقرية قد تزور المكان نفسه مرتين.
قال خورخي فالدانو إن “العباقرة لا يلعبون كرة القدم، بل يعيدون اختراعها”. ولو بحثنا عن الدليل، لوجدناه في الرجلين اللذين جعلا الكرة تبدو كأنها مخلوق حي يختار صاحبه، لا أداةً تخضع لقدمه.
كان مارادونا أقرب إلى بركانٍ يسير فوق العشب. لم يكن ينتظر المباراة؛ كان يفرض إيقاعها. كل لمسة منه كانت تحمل شيئًا من التحدي، وكل مراوغة كانت إعلانًا بأن الموهبة تستطيع، ولو للحظة، أن تنتصر على النظام، والخطة، والفارق البدني. لم يكن يبحث عن المساحة، بل كان يصنعها من قلب الزحام. لذلك بدا هدفه التاريخي في مرمى إنجلترا عام 1986 وكأنه ليس مجرد هدف، بل رواية كاملة اختُزلت في عشر ثوانٍ.
ثم جاء ميسي..ولم يحمل النار، بل حمل الضوء.
إذا كان مارادونا يعصف بالمباراة، فإن ميسي يعيد ترتيبها. يقرأ الزوايا كما يقرأ الموسيقي النوتة، ويعرف أين ستسقط الكرة قبل أن تصل إليها. لا يركض أكثر من الجميع، لكنه يرى أكثر من الجميع. ولذلك قال بيب غوارديولا عبارته الشهيرة: “لا تحاولوا وصفه..فقط شاهدوه.” لأن بعض الظواهر لا تُشرح، بل تُعاش.
تكتيكيًا، قدّم الاثنان تعريفًا جديدًا لمعنى صانع الألعاب. لم يكونا رقم عشرة بالمعنى التقليدي، ولا مهاجمين صريحين، بل نقطة التقاء كل الخطوط. يبدأ الهجوم من أقدامهما، وينتهي عند أقدامهما، وبين البداية والنهاية يختفي الزمن. كان المدافعون يدرسون تحركاتهما أسبوعًا كاملًا، ثم يكتشفون بعد المباراة أن المعرفة شيء، وإيقاف العبقرية شيء آخر.
ورغم اختلاف العصرين، بقيت بينهما لغة مشتركة. كلاهما امتلك مركز ثقل منخفضًا منح التوازن معنى جديدًا، ولمسة أولى أبطلت قوانين الضغط، ورؤية جعلت التمريرة تبدو أسهل مما هي عليه. لكن الأهم أنهما لم يراوغا من أجل التصفيق؛ كانت المراوغة عندهما وسيلة لصناعة التفوق، لا غاية في ذاتها. هنا يكمن الفارق بين الفنان والمؤدي؛ الأول يصنع الجمال لأنه الطريق إلى الفوز، والثاني يصنعه لأنه غاية.
قال يوهان كرويف إن “اللعب البسيط هو أصعب شيء في كرة القدم”. وربما لهذا بدا ميسي معجزةً صامتة؛ يحوّل أعقد المواقف إلى لقطة تبدو بديهية. أما مارادونا، فكان يؤمن بأن المستحيل مجرد فكرة لم تُختبر بعد. ومن هذا الإيمان ولدت أسطورته.
خارج الملعب، اختلفت الرحلتان. عاش مارادونا حياته بكل تناقضاتها، وحمل أعباء الشهرة بصخبها وانكساراتها، بينما اختار ميسي أن يجعل عائلته ملاذه وأن يترك للكرة مهمة الحديث عنه. لكن كليهما دفع ثمن العبقرية بطريقته؛ لأن العالم لا يكتفي بالإعجاب بالعظماء، بل يطالبهم دائمًا بأن يكونوا أكبر من البشر.
ولعل أعظم ما قدّماه للأرجنتين ليس كأس العالم، على عظمتها، ولا الألقاب، على كثرتها، بل شعورًا نادرًا بأن طفلًا يحمل كرةً في حي فقير يستطيع أن يصبح قصة يرددها العالم كله. لقد منحا الأرجنتين هوية كروية تتجاوز التكتيك والنتائج؛ هوية تؤمن بأن الكرة يمكن أن تكون فنًا، وأن الفن يمكن أن يكون وسيلةً للانتصار.
سيستمر الجدل حول من هو الأعظم، لكنه جدلٌ يُخطئ العنوان. فالقصة لم تكن يومًا عن المقارنة، بل عن الامتنان. الامتنان لأن التاريخ منح اللعبة رجلين جعلا الملاعب أقرب إلى المسارح، والكرة أقرب إلى القصيدة، والجماهير أقرب إلى الإيمان بأن المعجزات قد تحدث فعلًا..إذا ارتدت الرقم عشرة.
*رئيس الاتحاد الخليجي لكرة القدم



