ناصر بن شري يكتب:”كرة القدم السعودية تبحث عن مشروع… لا عن رئيس”

مع كل دقة ساعة تفصلنا عن انتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم، تتجه البوصلة نحو المرشحين، وتُفتح ملفات التجارب السابقة والخبرات الإدارية، لكن ما تحتاجه المرحلة ليس مجرد اسم جديد، بل إجابة واضحة عن سؤال واحد: ما الرؤية التي سيقدمها الرئيس القادم لكرة القدم السعودية؟
لقد تجاوزت الرياضة السعودية مرحلة الوعود والخطابات التقليدية، وأصبحت تعيش تحولًا تاريخيًا كبيرًا مدعومًا برؤية طموحة واستثمارات ضخمة وضعت المملكة في قلب المشهد الرياضي العالمي. وفي ظل هذه المرحلة، لم يعد كافيًا أن يكون الرئيس القادم قادرًا على إدارة الملفات اليومية أو التعامل مع الأزمات عند حدوثها، بل أصبح المطلوب قائدًا يحمل مشروعًا وطنيًا واضحًا، بأهداف قابلة للقياس، وخطة زمنية معلنة، ومنظومة عمل يستطيع الجميع متابعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
فالمرحلة القادمة تحتاج إلى اتحاد يعمل بعقلية المؤسسة، لا بعقلية الأشخاص، وإلى رؤية تمتد لسنوات طويلة، تضع الأساس لمستقبل كرة القدم السعودية وتواكب حجم الطموحات التي وصلت إليها المملكة رياضيًا.
ويأتي المنتخب السعودي في مقدمة الأولويات، فهو الواجهة الحقيقية لكرة القدم السعودية، والمرآة التي تعكس نجاح الاتحاد أو إخفاقه. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب مشروعًا متكاملًا يبدأ من الفئات السنية باعتبارها القاعدة التي يُبنى عليها مستقبل الكرة السعودية، وصولًا إلى المنتخب الأول، ضمن هوية فنية موحدة واستراتيجية مستدامة تضمن صناعة أجيال متعاقبة قادرة على المنافسة، لا تكوين جيل مرتبط بمرحلة أو بطولة محددة.
كما أن الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس آسيا 2027 وتصفيات كأس العالم 2030، يجب ألا يكون قائمًا على ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل على خطة واضحة للإعداد والتطوير، تتضمن أهدافًا محددة، ومؤشرات أداء دقيقة، وتقييمًا مستمرًا للعمل الفني والإداري، حتى تكون النتائج انعكاسًا للتخطيط والعمل المنظم.
وفي المسابقات المحلية، يبقى ملف روزنامة الموسم وجدول الدوري من أكثر الملفات التي تحتاج إلى تعزيز الثقة والشفافية. ففي كل موسم يتجدد الجدل حول آلية إعداد الجدول، وتظهر اتهامات بمنح أفضلية لهذا النادي أو ذاك، وهو أمر يمكن معالجته من خلال إعلان المعايير بشكل واضح، واعتماد آلية إلكترونية شفافة لإعداد جدول المسابقات أمام الجميع، بحضور ممثلي الأندية ووسائل الإعلام، ليصبح النظام هو الحكم، وتكون المنافسة داخل الملعب فقط.
أما التحكيم، فهو أحد أكثر الملفات تأثيرًا في ثقة الجماهير والأندية. والاستعانة بالحكام الأجانب لا ينبغي أن تكون هدفًا بحد ذاتها، فالمعيار الحقيقي ليس جنسية الحكم، بل مستواه الفني وقدرته على إدارة المباريات الكبرى. فالكرة السعودية تستحق حكام النخبة الذين يقودون أهم مواجهات الدوريات الأوروبية والبطولات القارية، لا مجرد حكام أجانب لمجرد كونهم أجانب، خصوصًا بعد أن شهدت السنوات الماضية حالات تحكيمية أثارت الكثير من علامات الاستفهام.
وفي المقابل، يجب أن يكون تطوير الحكم السعودي جزءًا أساسيًا من مشروع الاتحاد القادم، من خلال التأهيل المستمر، ورفع مستوى التقييم، وصناعة جيل قادر على تمثيل المملكة في المحافل الدولية، لأن قوة التحكيم المحلي تبقى عنصرًا مهمًا في بناء منافسة مستقرة وعادلة.
ولا يمكن بناء اتحاد قوي دون تطوير اللجان العاملة داخله، فهي المحرك الحقيقي للقرارات اليومية. ولذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى استقطاب خبرات وكفاءات جديدة، وتجديد الدماء، وتعزيز مبدأ الاستقلالية والحياد، بحيث تعمل اللجان وفق الأنظمة واللوائح بعيدًا عن أي تأثيرات أو انطباعات مرتبطة بالميول.
فالعمل المؤسسي الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات، بل بوضوح الإجراءات، وشفافية المعايير، وإعلان أسباب القرارات المهمة، ووجود مؤشرات أداء يمكن من خلالها تقييم العمل ومحاسبة المقصرين. فالمؤسسات الناجحة لا تعتمد على الأشخاص، بل على أنظمة قوية قادرة على الاستمرار مهما تغيرت الأسماء.
إن كرة القدم السعودية تعيش مرحلة استثنائية جعلتها محط أنظار العالم، وتسير نحو استضافة كأس العالم 2034، وهو استحقاق تاريخي يرفع سقف المسؤولية والتطلعات. ولذلك فإن مهمة الرئيس القادم لا تتمثل فقط في إدارة موسم أو بطولة، بل في بناء منظومة كروية حديثة قادرة على المنافسة والاستدامة، وتترك أثرًا يمتد لسنوات طويلة.
وفي النهاية، ستبقى الأسماء جزءًا من المشهد، لكنها ليست جوهر الحكاية. فنجاح كرة القدم السعودية لن يُقاس باسم الرئيس أو حجم خبرته السابقة فقط، بل بما سيقدمه من رؤية قادرة على تحويل الطموحات إلى واقع، ومنظومة تعمل بمعايير واضحة وشفافة.
فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى من يدير الملفات فقط، بل إلى من يقود مشروعًا يضع الأساس للمستقبل، مشروعًا يعزز قوة المنتخبات، ويرفع جودة المسابقات، ويعيد الثقة في القرارات، ويجعل الاتحاد مؤسسة تتجاوز الأشخاص وتستمر بعملها مهما تغيرت الأسماء.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في هذه الانتخابات ليس: من هو المرشح؟ بل: من يملك المشروع الأكثر وضوحًا؟ ومن يستطيع تحويل هذا المشروع إلى عمل مؤسسي وإنجازات ملموسة تواكب مكانة كرة القدم السعودية، وتحقق تطلعات جماهيرها، وتنسجم مع الطموحات الكبيرة التي تعيشها المملكة رياضيًا؟



