الملكية المتعددة وصراع النفوذ: هل تتصادم “استثمارات الأربعة الكبار” مع ميثاق الفيفا؟

في صيف عام 2023، شَهِد المشهد الرياضي السعودي نقلة نوعية واستثنائية بالإعلان عن استحواذ صندوق الاستثمارات العامة (PIF) على نسبة 75% من ملكية أربعة من كبار أندية الدوري السعودي للمحترفين: النصر، الهلال، الاتحاد، والأهلي. تحوّل المفهوم التقليدي لإدارة الأندية الرياضية من مجرد مؤسسات غير ربحية يعتمد شريان حياتها على أعضاء الشرف والتبرعات، إلى كيانات استثمارية ضخمة تدار بمنطق الشركات والملكية المؤسسية.
ولكن، مع اشتداد وطأة المنافسة في الميدان وتصاعد القيمة الفنية والجماهيرية للدوري، يطفو على السطح سؤال قانوني وهيكلي جوهري: هل تتوافق هذه الهيكلية مع لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)؟ وكيف يستقيم مبدأ “تكافؤ الفرص” وحياد المنافسة عندما تكون الجهة المالكة واحدة؟
من الناحية النظامية الصريحة، لا يوجد في لوائح الفيفا نص محدد يحظر تشغيل أو تملك جهة استثمارية واحدة لعدة أندية داخل دوري محلي واحد بشكل مطلق، بل تترك الفيفا تنظيم المسابقات المحلية للاتحاد القاري والوطني المختص، طالما أُقِرّت إجراءات الحوكمة وضمان النزاهة
لكن الأزمة الحقيقية ظهرت عالمياً في المسابقات القارية، وتحديداً لدى الاتحاد الأوروبي (UEFA)، الذي يفرض ضوابط صارمة تُعرف بالـ Article 5 المتعلقة بنزاهة المنافسات، حيث تُحظر هذه اللائحة مشاركة ناديين يتبعان لمالك واحد أو شخص يملك “نفوذاً حاسماً” في مسابقة قارية واحدة مثل دوري أبطال أوروبا. ولتفادي التعارض الصريح مع التشريعات، تعتمد الهياكل الاستثمارية الحديثة على صيغتين قانونيتين، الأولى هي استقلالية مجالس الإدارة من خلال وجود هيئة إدارية ومجلس إدارة مستقل تماماً لكل نادٍ مع فصل كامل بين صناع القرار الرياضي والتنفيذي، والثانية هي إنشاء صناديق استثمارية مستقلة أو شركات قابضة فرعية تُعامل كل نادٍ كاستثمار مستقل بذاته تقتصر فيه علاقة المالك على تقديم الدعم والاستراتيجية العامة دون التدخل في القرارات الفنية أو الصفقات المباشرة.
تكمن الإشكالية الكبرى في تصارع المصالح الرياضية؛ فكيف يُمكن للجمهور والشارع الرياضي الاقتناع بنزاهة المنافسة عندما يلتقي ناديا الهلال والنصر أو الاتحاد والأهلي في مباراة تتوقف عليها بطولة بينما المالك الرئيسي للطرفين جهة واحدة؟
يمتد هذا التساؤل ليشمل صراع صفقات اللاعبين والرعايات؛ إذ عندما يظهر لاعب عالمي في السوق، تُطرح علامة استفهام حول من يملك الأولوية في التعاقد معه، وكيف يُوزّع الرعاة والشركاء التجاريون بين الأندية الأربعة دون تفضيل طرف على آخر. يضاف إلى ذلك ميزان القوى الفنية، حيث إن حدوث أي تفاوت في جودة الاستقطابات أو سرعة إنهاء الملفات الكروية لصالح نادٍ دون آخر تُترجم فوراً لدى الشارع الرياضي على أنها تحيز مؤسسي، حتى وإن كانت النتيجة صدفة أو بسبب كفاءة الإدارة التنفيذية لهذا النادي.
ولتفادي هذه الشبهات وتنظيم البيئة الاستثمارية، تتبع نماذج الصناديق الاستثمارية في الحوكمة الرياضية قواعد دقيقة لضمان العدالة الاقتصادية؛ أولاً من خلال تقديم الدعم الأساسي عبر ضخ ميزانيات متساوية أو وضع سقف محدد للشرائح الكبرى لضمان استقرار التشغيل والالتزام باللعب المالي النظيف. ثانياً، اعتماد مبدأ الدعم المشروط بالاستحقاق، بحيث تزيد ميزانيات النادي بناءً على مداخيله الخاصة، وحجم قاعدته الجماهيرية، ومبيعات التذاكر، والرعايات المستقلة التي ينجح في جلبها. ثالثاً، مراعاة التأثير الجماهيري والتجاري، إذ إن النادي الأقدر على تسويق علامته التجارية وتحقيق عوائد ذاتية يحصل على هوامش إنفاق أكبر وفق لوائح الاستدامة المالية.
وهنا تظهر الحقيقة الاقتصادية الجلية، وهي أن صندوق الاستثمارات ليس ممقتاً لنادٍ أو مفضلاً لآخر، بل هو صندوق سيادي يبحث عن قيمة أصوله وزيادة القيمة السوقية للمنتج الرياضي ككل، ونجاح أي نادٍ من الأربعة يعزز القيمة الإجمالية للمحفظة الاستثمارية.
إن تجربة استحواذ صندوق الاستثمارات العامة على الأندية الأربعة تُعدّ خطوة جريئة وغير مسبوقة بقيمتها المالية والرياضية. ونظاماً، الاستحواذ جائز ولا يخالف قواعد الفيفا طالما طُبِّقت قواعد الفصل الإداري والتنفيذي. ولكن، لضمان استدامة هذه التجربة ونجاحها الجماهيري، يظل المحك الحقيقي هو “شفافية المعايير”؛ فالبيئة الرياضية بحاجة دائمة إلى إعلان واضح للوائح الاستدامة المالية، وميزانيات الأندية، وآلية الاستقطابات الكبرى، ليبقى الملعب المستطيل الأخضر وحدَه هو الفاصل في تحديد البطل، بعيداً عن أروقة مكاتب الاستثمار.



