زهير الضامن : حنجرة ذهبية صاغت أمجاد الصالات بمداد الشعر والتكتيك

في عالم الإعلام الرياضي العربي حيث تستحوذ الساحرة المستديرة على جلّ الأضواء والاهتمام يبرز رجالٌ شقّوا لأنفسهم مسارات استثنائية ورفضوا أن تُختزل موهبتهم في المستطيل الأخضر فقط. على رأس هؤلاء المبدعين يقف المعلق السعودي القدير زهير الضامن الذي تحوّل صوته إلى ماركة مسجلة وأيقونة تمنح الألعاب المختلفة وتحديداً كرة اليد والكرة الطائرة هيبة وزخماً لا يقل إثارة وتشويقاً عن مباريات كرة القدم الأكثر جماهيرية.
لم يكن طريق الضامن إلى منصات التعليق الكبرى مفروشا بالورود أو وليد الصدفة بل هو نتاج رحلة كفاح حقيقية وعصامية انطلقت من الملاعب الترابية وبطولات الحواري في المنطقة الشرقية حيث تُصقل المواهب الحقيقية وتُبنى العفوية التي تلامس قلوب الناس دون استئذان. وما يميز “أبو مهدي” ويمنحه تلك الفرادة في المشهد الإعلامي هو جمعه المذهل بين عين الخبير كلاعب سابق في كرة اليد يفكك الخطط التكتيكية المعقدة بدقة متناهية وبين روح الأديب المثقف فالرجل حافظ جيد لعيون الشعر العربي ومُتذوّق رفيع للمفردة الراقية ويملك أسلوباً آسراً في الإلقاء يشد الأسماع من الثواني الأولى للمباراة.
هو لا يكتفي بوصف حركة الكرة أو إعلان الأهداف بل يروي تفاصيل المباراة برهافة حسّ ويوظف الأبيات والقصائد في قلب الإثارة الرياضية بسلاسة متناهية محولاً الصالة الرياضية المغلقة إلى منبر ثقافي يشع بالإبداع والجمال اللغوي. هذا المزج الفريد جعل من تعليقه مدرسة خاصة حيث تلتقي قوة اللعبة بجاذبية الكلمة مما جذب لمتابعة هذه الألعاب فئات جماهيرية جديدة استهواها هذا الأسلوب الفخم.
لقد ارتبط صوته بأعظم اللحظات والتحولات في مسيرة الرياضة المحلية والإقليمية من الديربيات السعودية الطاحنة التي تحبس الأنفاس بين أقطاب اللعبة كالنور ومضر والخليج وصولاً إلى المعارك الآسيوية الكبرى والمحافل العالمية كبطولات كأس العالم لكرة اليد. عندما يعلق زهير الضامن تتحول الصالة إلى مسرح لملحمة درامية آسرة تشعر معها بفضل إلقائه الرصين ونبرته الحماسية المتزنة وكأن كل رمية جزاء أو قفزة ساحقة فوق الشباك هي شطر من قصيدة حماسية تُكتب على الهواء مباشرة بضمير العشق والانتماء.
ومضة أخيرة :
إن النجاح الكبير والقبول الواسع الذي يحظى به زهير الضامن اليوم هو إنصاف حقيقي لكل معلق آمن بأن الألعاب المختلفة تستحق الصوت الأول والشغف الأكبر، ولم يرتضِ أن يكون في ظل كشافات كرة القدم. لقد أثبت عبر مسيرته الحافلة أن خلف الميكروفون مبدعاً حقيقياً يدمج بين بلاغة الكلمة وجسارة اللعبة، ليبقى الضامن دائماً بمثابة “شاعر الصالات الرياضية”، والصوت المخلص الذي أعاد لكرتي اليد والطائرة بريقهما وسحرهما في وجدان المشجع الخليجي والعربي، ممهداً الطريق لجيل جديد من المعلقين ليتعلموا كيف تكون الرياضة ثقافة، والتعليق أدباً وفناً.



