ألعاب مختلفة

قبل صافرة البداية.. الآسيوية الـ11 للناشئين لكرة اليد تفتح حكاياتها في عمّان

 

الدمام: علي آل محسن

هناك بطولات تبدأ بصافرة، وهناك بطولات تبدأ حكايتها قبل أن تُرمى الكرة الأولى، والنسخة الحادية عشرة من البطولة الآسيوية للناشئين لكرة اليد اختارت الطريق الثاني. تغيّرت المدينة، وتأجل الموعد، وتبدلت قائمة المشاركين، وغاب حامل اللقب، حتى بدا وكأن البطولة أرادت أن تكتب مقدمتها بنفسها قبل أن يكتب اللاعبون فصولها داخل الملعب.

غدًا الخميس، حين تفتح صالة الأميرة سمية في العاصمة الأردنية عمّان أبوابها، لن يدخل إليها مجرد عشرة منتخبات آسيوية، بل عشرة أحلام وعشرة مشاريع لمستقبل كرة اليد في القارة، وأجيال ربما لا يعرف المشاهد أسماء أصحابها اليوم، لكنه قد يحفظها جيدًا بعد سنوات. ففي بطولات الناشئين تحديدًا نحن لا نشاهد النجوم بعد اكتمالهم، نحن نشاهد اللحظة التي يبدأ فيها النجم.

من أنديجان إلى عمّان.. بطولة سافرت قبل أن تبدأ

الحكاية الأولى لم تحدث داخل الملعب. كان من المفترض أن تحتضن مدينة أنديجان الأوزبكية النسخة الحادية عشرة، قبل أن تنتقل البطولة إلى الأردن، ويتغير موعدها لتقام خلال الفترة من 20 وحتى 31 أغسطس 2026. وهنا تظهر أولى مفارقات البطولة، فأوزبكستان التي كانت تستعد لاستقبال القارة على أرضها، ستصل إلى عمّان هذه المرة بصفتها منتخبًا مشاركًا. تغير المكان، وبقي الحلم.

ولم تتوقف التغييرات عند مكان الاستضافة، فالنسخة التي ظهرت في مراحلها الأولى بمشاركة 12 منتخبًا أصبحت عشية انطلاقها تضم 10 منتخبات بعد غياب اليابان والصين تايبيه، لتدخل السعودية والبحرين وقطر والكويت والأردن وكوريا الجنوبية وإيران وسوريا والهند وأوزبكستان السباق القاري. والأكثر إثارة أن اليابان ليست مجرد منتخب غائب، بل هي بطلة النسخة الماضية، ما يعني أن آسيا ستتوج حتمًا بطلًا مختلفًا في عمّان.

الكأس بلا صاحب.. وبطل جديد ينتظر التتويج

غياب اليابان يمنح النسخة الحادية عشرة واحدة من أجمل مفارقاتها. قبل عامين، وفي المدينة نفسها، حمل اليابانيون ذهب البطولة، واليوم تعود البطولة إلى عمّان من دون حامل كأسها. بقي المسرح وغاب البطل، وبات العرش مفتوحًا أمام جيل جديد يريد أن يضع اسمه في سجل البطولة.

كوريا الجنوبية تدخل بتاريخ ثقيل، وإيران تعرف طريق المنافسة، وقطر تحمل ذاكرة الذهب، فيما تأتي السعودية والبحرين والكويت بثقل الحضور الخليجي المتنامي في كرة اليد الآسيوية. وبين أصحاب التاريخ والطامحين إلى كتابة تاريخ جديد، تبدو البطولة مفتوحة على أكثر من سيناريو.

10 منتخبات و4 تذاكر.. العالم ينتظر

البحث في عمّان لن يكون عن كأس آسيا وحدها، فخلف الذهب جائزة أخرى لا تقل قيمة: أربع بطاقات مؤهلة إلى بطولة العالم للناشئين تحت 19 عامًا 2027. عشرة منتخبات تبدأ الرحلة، وأربعة فقط ستغادر الأردن وهي تحمل تذكرة العبور العالمي، أي أن 40% من المشاركين فقط سينجحون في الوصول إلى المونديال.

وهنا تصبح حسابات البطولة أكثر قسوة. ربما تخسر الذهب وتعود سعيدًا، وربما تفوز بمباراة لا تمنحك كأسًا لكنها تفتح أمام جيل كامل أبواب العالم. ولهذا لا تبدو مباريات تحديد المراكز مجرد مواجهات هامشية، فحين تكون البطاقة العالمية على الطاولة تصبح الكرة الواحدة أثمن من لون الميدالية.

كوريا.. التاريخ لا يحتاج إلى بطاقة تعريف

حين تفتح صفحات البطولة القديمة، يظهر اسم كوريا الجنوبية كثيرًا. تتغير الأجيال، تتبدل الأسماء وأرقام القمصان، ويغادر لاعبون الفئة العمرية ليأتي آخرون، لكن المنتخب الكوري يبقى حاضرًا في ذاكرة المنافسة. وهذا ربما يكون الفارق بين منتخب يمتلك جيلًا جيدًا ومنظومة تعرف كيف تصنع جيلًا بعد آخر. السجل التاريخي الوارد في الدليل يظهر الحضور المتكرر لكوريا إلى جانب اليابان وإيران وقطر والسعودية بين أصحاب المراكز المتقدمة في النسخ السابقة.

في بطولات الناشئين تحديدًا تصبح هذه الاستمرارية أكثر قيمة، لأنك لا تستطيع الاعتماد على اللاعب نفسه لعشر سنوات. كل بطولة تقريبًا تقدم لك وجوهًا مختلفة، ولذلك فإن القدرة على البقاء في دائرة المنافسة تعني أن السر أكبر من مجموعة لاعبين، وأن خلف القميص مدرسة كاملة.

السعودية.. حلم عالمي يعرف الطريق

يدخل الأخضر السعودي البطولة وهو يعرف جيدًا معنى الوصول إلى المربع الذهبي، كما أن علاقته بمونديال الناشئين ليست جديدة. ويكشف السجل العالمي في الدليل عن مشاركات سعودية سابقة في بطولة العالم لهذه الفئة، ما يجعل حلم عمّان امتدادًا لمسار سبق لكرة اليد السعودية أن عرفته.

لهذا لا يبدأ السؤال السعودي من إمكانية المنافسة، فالتاريخ قدم إجابته سابقًا، وإنما من قدرة هذا الجيل تحديدًا على إضافة سطر جديد. في مسابقات الفئات السنية لا يرث اللاعب الإنجاز، بل يرث القميص فقط، ثم يكون عليه أن يصنع إنجازه بنفسه. وبين عمّان وبطولة العالم أربع بطاقات، والأخضر يريد واحدة منها.

الخليج يمثل 40% من البطولة

من أبرز أرقام النسخة الحالية أن أربعة من المنتخبات العشرة المشاركة تأتي من الخليج: السعودية والبحرين والكويت وقطر. أي أن الحضور الخليجي يشكل 40% من إجمالي منتخبات البطولة، وهي نسبة تعكس المكانة التي باتت تحتلها كرة اليد في المنطقة.

والمفارقة الرقمية الجميلة أن عدد المنتخبات الخليجية يساوي تمامًا عدد بطاقات التأهل إلى بطولة العالم: أربعة مقابل أربعة. بالطبع الطريق أكثر تعقيدًا من معادلة على الورق في وجود كوريا وإيران والأردن وبقية المنافسين، لكن الرقم يفتح سؤالًا مثيرًا قبل البداية: كم بطاقة عالمية سيأخذها الخليج من عمّان؟

الكويت.. البرونز يبحث عن لون جديد

الكويت بدورها تعرف الطريق إلى منصة التتويج، والأزرق يأتي إلى النسخة الجديدة بطموح البناء على حضوره القاري. وفي بطولات الناشئين لا تنتقل الميدالية من جيل إلى آخر، لكنها تترك شيئًا مهمًا داخل المنظومة: الإحساس بأن الوصول ممكن. وهذا تحديدًا ما يجعل الكويت واحدة من الأسماء التي تستحق المتابعة في عمّان.

البحرين أيضًا تدخل بطموحات كبيرة، وسط تطور واضح لكرة اليد البحرينية بمختلف فئاتها، فيما تمتلك قطر تاريخًا بارزًا في بطولات الفئات السنية وسبق لها الوقوف في مقدمة المشهد الآسيوي. أما إيران فتبقى واحدة من المدارس التقليدية التي يصعب إخراجها من الحسابات، ويظهر سجل البطولة حضورها المتكرر بين القوى المتقدمة.

الأردن.. صاحب الأرض يريد أكثر من نجاح التنظيم

أما الأردن، فله حكاية مختلفة. لم يكن المستضيف الأصلي للنسخة، لكنه أصبح خلال فترة قصيرة قلب الحدث. صالة مألوفة، أرض وجمهور، وتجربة طويلة مع استضافة البطولة، لكن صاحب الأرض هذه المرة لا يريد أن تنتهي حكايته عند نجاح التنظيم.

وفي مسابقات الناشئين قد يصبح الجمهور أكثر تأثيرًا مما نتخيل، فنحن أمام لاعبين في بداية الطريق، وبعضهم يخوض أكبر بطولة في مسيرته حتى الآن. هتاف واحد قد يرفع لاعبًا، وضغط مباراة واحدة قد يغير مسار مجموعة كاملة، وهنا سيكون التحدي الأردني في تحويل أفضلية الأرض إلى أفضلية داخل الملعب.

أوزبكستان.. من صاحب الأرض إلى ضيف

وربما لا يملك أي منتخب في البطولة حكاية أغرب من أوزبكستان. كان من المفترض أن يلعب المنتخب البطولة على أرضه وبين جماهيره في أنديجان، ثم تغير كل شيء وانتقلت البطولة إلى عمّان، فتحول صاحب الأرض المنتظر إلى ضيف.

أما سوريا والهند فتدخلان البطولة من مساحة مختلفة، بحثًا عن صناعة مفاجأة وكسر حسابات المنتخبات الأكثر حضورًا في سجل المنافسة. وفي بطولات الأعمار السنية تحديدًا، تبقى المفاجأة أقرب مما تبدو، لأن الفوارق تتغير سريعًا من جيل إلى آخر.

أرقام تختصر الحكاية

قبل الصافرة الأولى، يمكن اختصار المشهد في مجموعة أرقام لافتة: 11 هو رقم النسخة الحالية، و10 منتخبات تدخل المنافسة، و4 منها خليجية، و4 بطاقات تقود إلى بطولة العالم 2027، فيما يغيب حامل اللقب الياباني عن الدفاع عن ذهبه. وكانت أوزبكستان المستضيف الأصلي قبل انتقال الحدث إلى الأردن، بينما تعود البطولة إلى عمّان التي شهدت أيضًا تتويج النسخة الماضية.

ويبقى رقم واحد لا يستطيع أي جدول إحصائي كتابته حتى الآن: من سيكون بطل آسيا الحادي عشر؟

هنا نشاهد المستقبل قبل أن يصبح مشهورًا

ربما تكمن روعة بطولات الناشئين في أننا لا نعرف بالضبط ماذا نشاهد. تبدو أمامنا مباراة مدتها ستون دقيقة، لكننا ربما نتابع في الحقيقة بداية مسيرة تستمر خمسة عشر عامًا. ذلك الجناح الصغير قد يصبح بعد سنوات هداف منتخب بلاده، والحارس الذي يخوض أول بطولة آسيوية ربما يعود يومًا قائدًا لمنتخب الكبار، ولاعب يسجل هدفه الدولي الأول في عمّان قد يصبح بعد عقد اسمًا يعرفه الجميع.

الكبار يعطوننا التاريخ، أما الناشئون فيمنحوننا فرصة نادرة لمشاهدة التاريخ وهو يُكتب للمرة الأولى.

غدًا تسقط الحسابات

حين تتحرك الكرة، لن تعرض لوحة الصالة تاريخ كوريا، ولا مشاركات السعودية العالمية، ولا ميداليات الكويت، ولا ذاكرة قطر وإيران والبحرين. ستبدأ كل مباراة بالرقمين نفسيهما: 0 – 0.

وهذه أجمل عدالة في الرياضة. ستون دقيقة تمنح المنتخب الأقل ترشيحًا فرصة لقلب المشهد، وهدف واحد قد يفصل جيلًا كاملًا عن بطولة العالم.

في الحادي والثلاثين من أغسطس ستطفأ أضواء النسخة الحادية عشرة، وسيكون هناك بطل جديد، وأربعة منتخبات ستغادر عمّان وهي تحمل معها موعدًا عالميًا في 2027، وستة ستعود وهي تعرف أن الطريق توقف هنا. لكن ذلك كله ينتمي إلى الصفحة الأخيرة، ونحن ما زلنا في الأولى.

كرة لم تتحرك، شباك لم تهتز، ومدرج ينتظر. من أنديجان التي كان يفترض أن تبدأ منها الرحلة إلى عمّان التي احتضنتها، ومن حامل لقب يغيب إلى عرش ينتظر صاحبه، ومن عشرة منتخبات تحلم إلى أربعة فقط ستعبر نحو العالم..

هنا تبدأ الحكايات الآسيوية، وغدًا تبدأ كتابة نهايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com