نعمان عبدالغني يكتب:” نسب ومؤشرات الممارسة الرياضية في الوطن العربي”

شهدت نسب ومؤشرات الممارسة الرياضية في الوطن العربي تباينًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور تطورات إيجابية في عدد من الدول، ولا سيما دول الخليج العربي، نتيجة تبني سياسات وطنية تهدف إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز النشاط البدني. وفي المقابل، لا تزال بعض الدول العربية تواجه تحديات مرتبطة بالخمول البدني ونقص المنشآت الرياضية وضعف ممارسة الرياضة لدى بعض الفئات الاجتماعية.
أولًا: مؤشرات الممارسة الرياضية
تشير بعض التقارير والدراسات إلى تفاوت واضح في معدلات النشاط البدني بين الدول العربية. فقد بلغت نسبة البالغين في المملكة العربية السعودية الذين يمارسون النشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعيًا أو أكثر نحو 59.1%، في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرامج جودة الحياة.
وفي دولة قطر، تشير بعض المسوح إلى أن نحو 74.3% من أفراد المجتمع، من سن 15 سنة فأكثر، يمارسون الرياضة بصورة منتظمة أو غير منتظمة، بينما تبلغ نسبة الممارسة المنتظمة وفق معيار 150 دقيقة أسبوعيًا نحو 28%.
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد حققت مستويات متقدمة في تعزيز المشاركة المجتمعية في النشاط البدني، من خلال المبادرات الرياضية وبرامج اللياقة وجودة الحياة.
وفي المقابل، تشير تقارير دولية إلى ارتفاع معدلات الخمول البدني في عدد من الدول العربية، وهو ما يرتبط بزيادة مخاطر السمنة والأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والسكري.
ثانيًا: أكثر الرياضات ممارسة
يحتل المشي مكانة بارزة بين الأنشطة البدنية الأكثر ممارسة في المجتمعات العربية، نظرًا لسهولة ممارسته وانخفاض تكلفته وعدم حاجته إلى تجهيزات معقدة.
كما تحافظ كرة القدم على موقعها باعتبارها الرياضة الشعبية الأولى في معظم الدول العربية، إلى جانب تنامي الإقبال على رياضات اللياقة البدنية، والجري، وبناء الأجسام، والتمارين المنزلية، خصوصًا لدى فئة الشباب.
ثالثًا: الفجوة بين الجنسين
لا تزال هناك فجوة واضحة بين الذكور والإناث في معدلات ممارسة النشاط البدني في عدد من الدول العربية. وتعود هذه الفجوة إلى عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، إضافة إلى محدودية المنشآت الرياضية المخصصة للنساء في بعض المناطق.
ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في إنشاء المراكز الرياضية النسائية وإطلاق المبادرات التي تشجع المرأة على ممارسة الرياضة، خاصة في السعودية والإمارات ومصر وتونس وغيرها.
رابعًا: أهم الدوافع والمعوقات
تتمثل أبرز دوافع ممارسة الرياضة في المحافظة على الصحة والوقاية من الأمراض، وتحسين اللياقة البدنية، والترويح عن النفس، وتحسين المظهر الخارجي.
أما أهم المعوقات فتتمثل في ضيق الوقت، وارتفاع تكاليف الاشتراك في بعض الأندية وصالات اللياقة، ونقص المنشآت الرياضية المجتمعية، والظروف المناخية، وضعف الوعي بأهمية النشاط البدني المنتظم.
خامسًا: التحديات التي تواجه الرياضة العربية
رغم التطور الملحوظ، لا تزال الممارسة الرياضية العربية تواجه عددًا من التحديات، أبرزها تراجع دور الرياضة المدرسية والجامعية في بعض الدول، وضعف البنية التحتية، والتركيز الكبير على كرة القدم على حساب الألعاب الفردية والجماعية الأخرى.
كما تمثل الرياضة النسائية مجالًا يحتاج إلى مزيد من الدعم، إلى جانب ضرورة تطوير سياسات التمويل والرعاية الرياضية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
سادسًا: الآفاق المستقبلية
تتوافر أمام الرياضة العربية فرص كبيرة للنمو، خاصة مع تزايد الاستثمارات الرياضية واستضافة البطولات والأحداث الدولية الكبرى، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التدريب والإدارة والتحليل الرياضي.
كما أصبحت الرياضة جزءًا من عدد من الخطط الوطنية الرامية إلى تحسين جودة الحياة، والحد من الأمراض المرتبطة بقلة الحركة، وبناء مجتمع أكثر نشاطًا وصحة.
يتحرك واقع الممارسة الرياضية في الوطن العربي في اتجاهين متوازيين؛ أولهما تطور متسارع في بعض الدول نتيجة الاستثمار والتخطيط الاستراتيجي والسياسات الحكومية الداعمة للنشاط البدني، وثانيهما استمرار تحديات الخمول البدني وضعف المشاركة الرياضية في دول وفئات أخرى.
ومن هنا، فإن تطوير الممارسة الرياضية العربية يتطلب استراتيجية شاملة تبدأ من المدرسة والجامعة والأحياء السكنية، وتدعم الرياضة للجميع، وتعزز مشاركة المرأة والشباب، وتوفر المنشآت المناسبة، وتستثمر في التكنولوجيا والكوادر المتخصصة، بما يجعل الرياضة ثقافة مجتمعية يومية وأسلوب حياة، وليس مجرد نشاط ترفيهي أو فرجة على المنافسات الرياضية.



