نعمان عبدالغني يكتب:” الأبعاد القانونية والتشريعية للذكاء الاصطناعي في المجال الرياضي”

يشهد المجال الرياضي توسعًا متسارعًا في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بدءًا من أنظمة التحكيم والمراجعة بالفيديو، مثل VAR، مرورًا بتحليل الأداء والتنبؤ بالإصابات، وصولًا إلى تقنيات التتبع والمراقبة المدمجة في الملابس والمعدات الرياضية الذكية. وقد أسهم هذا التطور في تحسين الأداء الرياضي ورفع كفاءة الإدارة واتخاذ القرار، لكنه في المقابل أوجد مجموعة متزايدة من التحديات القانونية والتشريعية والأخلاقية.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن التطور التكنولوجي غالبًا ما يتحرك بوتيرة أسرع من التشريعات، الأمر الذي يفرض ضرورة تطوير أطر قانونية قادرة على تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الرياضة، بما يضمن حماية حقوق الرياضيين والأندية والاتحادات، ويحافظ على النزاهة والعدالة الرياضية.
ويمكن تناول أهم الأبعاد القانونية والتشريعية للذكاء الاصطناعي في المجال الرياضي من خلال المحاور التالية:
1. المسؤولية القانونية والمدنية: من يتحمل المسؤولية عند وقوع الخطأ؟
لا يتمتع نظام الذكاء الاصطناعي، في الأطر القانونية المعاصرة، بشخصية قانونية مستقلة تجعله مسؤولًا بذاته عن الأضرار التي قد تنتج عن استخدامه. ولذلك، عند وقوع خطأ تحكيمي أو طبي أو إداري بسبب نظام ذكي، تبرز مسألة تحديد الجهة أو الأشخاص المسؤولين قانونًا.
وقد تتوزع المسؤولية بين المبرمج أو الشركة المطورة، إذا كان الضرر ناتجًا عن عيب في النظام أو خلل برمجي أو قصور في البيانات، وبين النادي أو الاتحاد أو الجهة المستخدمة، إذا كان الخطأ مرتبطًا بسوء الاستخدام أو تجاهل تعليمات التشغيل أو عدم توفير الرقابة البشرية اللازمة.
كما تبرز في هذا السياق بعض نظريات المسؤولية المدنية المرتبطة بحراسة الأشياء أو المنتجات المعيبة، بحسب طبيعة النظام والقانون الوطني المعمول به، وهو ما يجعل تحديد المسؤولية عن أنظمة الذكاء الاصطناعي من القضايا القانونية التي تحتاج إلى مزيد من التطوير التشريعي.
2. حماية البيانات الشخصية والبيومترية للرياضيين
تجمع التقنيات الرياضية الحديثة كميات كبيرة من البيانات المتعلقة بالرياضيين، مثل معدل ضربات القلب، والأنماط الحركية، ومؤشرات الأداء، والبيانات الصحية، وغيرها من المعلومات الشخصية والبيومترية.
وتكتسب هذه البيانات أهمية قانونية خاصة، لأن بعضها قد يدخل ضمن فئات البيانات الحساسة التي تتطلب حماية مشددة بموجب قوانين حماية البيانات. ولذلك يجب أن يستند جمعها ومعالجتها وتخزينها ومشاركتها إلى أساس قانوني واضح، مع تحديد الغرض من استخدامها والجهات التي يمكنها الوصول إليها.
كما تبرز مسألة الموافقة، إذ يجب ألا تكون موافقة الرياضي شكلية أو ناتجة عن ضغط مهني. فقد يجد اللاعب نفسه أمام وضع غير متوازن، يشعر فيه بأن رفض جمع بياناته قد يؤثر في مستقبله الرياضي أو مكانه داخل الفريق.
ومن هنا تبرز ضرورة وضع قواعد واضحة تحدد ملكية البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، وطرق استخدامها، والجهات التي يحق لها الوصول إليها.
3. التمييز والعدالة الرياضية ومخاطر التحيز الخوارزمي
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الأندية في اكتشاف المواهب وتحليل أداء اللاعبين واتخاذ القرارات المتعلقة بالانتقاء والتعاقد. غير أن الاعتماد على بيانات تاريخية متحيزة قد يؤدي إلى إنتاج قرارات خوارزمية غير عادلة.
فإذا كانت البيانات التي دُرّب عليها النظام تعكس تحيزات سابقة، فقد يؤدي ذلك إلى استبعاد مواهب معينة أو تفضيل فئات محددة دون مبرر رياضي موضوعي. ولذلك ينبغي إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الانتقاء والتقييم إلى اختبارات دورية للكشف عن التحيز وضمان تكافؤ الفرص.
كما يطرح الاستخدام المكثف للتكنولوجيا سؤالًا آخر يتعلق بالعدالة التنافسية؛ فالأندية ذات الإمكانات المالية الكبيرة تستطيع الاستثمار في أنظمة تحليل متطورة، بينما قد تعجز الأندية الأقل موارد عن الوصول إلى التكنولوجيا نفسها، مما قد يزيد الفجوة بين الأندية ويؤثر في التوازن التنافسي.
4. قانون العمل والقرارات المؤتمتة
قد تستخدم الأندية والاتحادات الذكاء الاصطناعي في تقييم أداء اللاعبين، وتحليل مخاطر الإصابات، وتحديد القيمة السوقية، واتخاذ بعض القرارات الإدارية والمهنية.
وهنا تبرز إشكالية القرارات المؤتمتة، خصوصًا عندما يكون القرار ذا تأثير جوهري في المسار المهني للرياضي. فالقواعد المتعلقة بحماية البيانات، ومنها المادة 22 من اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية (GDPR) في الحالات التي تنطبق عليها، تفرض قيودًا وضمانات بشأن بعض القرارات المبنية حصريًا على المعالجة الآلية.
وعليه، فإن اتخاذ قرار بإنهاء عقد لاعب أو تخفيض قيمته أو استبعاده اعتمادًا على تحليل خوارزمي ينبغي أن يخضع لضوابط قانونية ورقابة بشرية مناسبة، وألا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا عن المسؤولية البشرية.
5. الملكية الفكرية وحقوق البيانات
تثير البيانات الناتجة عن أجهزة الاستشعار والمعدات الرياضية الذكية تساؤلات مهمة حول حقوق استخدامها. فمن يملك البيانات التي تُجمع أثناء التدريب والمنافسات؟ هل هي حق للاعب، أم للنادي، أم للجهة المالكة للجهاز أو المطورة للبرنامج؟
كما يطرح الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات جديدة في مجال الملكية الفكرية، خصوصًا عند إنتاج ملخصات رياضية أو تحليلات أو صور ومحتويات إعلامية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
وتحتاج هذه المسائل إلى قواعد واضحة تحدد حقوق الاستخدام والاستغلال التجاري، وتفرق بين البيانات الشخصية، والبيانات الرياضية، والمحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية.
6. حوكمة التحكيم الرياضي والتكنولوجيا
يمثل استخدام التكنولوجيا في التحكيم الرياضي أحد أبرز المجالات التي تتقاطع فيها التكنولوجيا مع القانون الرياضي. وقد ساعدت أنظمة المراجعة بالفيديو والتقنيات الحديثة في تقليل بعض الأخطاء وتحسين دقة القرارات، إلا أنها أثارت في الوقت نفسه أسئلة حول حدود تدخل التكنولوجيا ومسؤولية الحكم البشري.
كما تبرز مشكلة “الصندوق الأسود” (Black Box) عندما تكون الخوارزميات شديدة التعقيد وغير قابلة للتفسير بصورة واضحة. وفي مثل هذه الحالات، قد يصبح من الصعب على الأطراف المتضررة فهم الأساس الذي بُني عليه القرار أو الاعتراض عليه بصورة فعالة.
لذلك تبرز أهمية مبدأ الإنسان في دائرة اتخاذ القرار (Human-in-the-loop)، بحيث تظل المسؤولية النهائية عن القرارات الرياضية الجوهرية مرتبطة بجهة بشرية مختصة، مع توفير قدر مناسب من الشفافية وقابلية التفسير والمراجعة.
7. الحاجة إلى تشريع رياضي متكامل للذكاء الاصطناعي
إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض على الهيئات الرياضية الوطنية والدولية تطوير منظومة متكاملة لحوكمته، تتضمن قواعد لحماية البيانات، وتحديد المسؤولية القانونية، وضمان الشفافية، ومكافحة التحيز، وحماية حقوق الرياضيين، وتنظيم استخدام الخوارزميات في التحكيم والتقييم والانتقاء.
ولا يكفي أن تعتمد المؤسسات الرياضية على المبادئ الأخلاقية وحدها، بل ينبغي أن تتكامل هذه المبادئ مع تشريعات ولوائح رياضية واضحة وقابلة للتطبيق، تراعي خصوصية المجال الرياضي وطبيعته التنافسية.
يتجه الذكاء الاصطناعي إلى أن يصبح أحد المكونات الأساسية في منظومة الرياضة الحديثة، سواء في التدريب أو التحكيم أو الإدارة أو الطب الرياضي أو التسويق والإعلام. غير أن هذا التحول التكنولوجي لا يمكن أن يكون مستدامًا ما لم يرافقه تطور قانوني وتشريعي يواكب حجم التغيير.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى صياغة أطر قانونية وتشريعية متخصصة في الذكاء الاصطناعي الرياضي، توازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق والحريات، وتضمن النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص، مع التأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تظل أداة لخدمة الرياضة، لا بديلًا عن المسؤولية والرقابة والحكم البشري.



