سعد الرميحي يكتب:” كأس الخليج.. بطولة صنعت ذاكرة أجيال”

هناك بطولات كرة قدم تُقام وتنتهي، وتبقى نتائجها وأرقامها في سجلات التاريخ، وهناك بطولات تتجاوز حدود الملعب لتصبح جزءاً من ذاكرة الشعوب ووجدانها. وكأس الخليج العربي لكرة القدم تنتمي، بلا شك، إلى النوع الثاني.
فعندما انطلقت النسخة الأولى من البطولة في البحرين عام ١٩٧٠ ، لم يكن أحد يتصور أن هذه المسابقة الصغيرة، التي شاركت فيها أربعة منتخبات فقط هي البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية، ستتحول بعد أكثر من خمسة عقود إلى واحدة من أكثر البطولات حضوراً وتأثيراً في الذاكرة الخليجية. وقد توج المنتخب الكويتي بلقب النسخة الأولى، بينما حصل لاعبنا القطري خالد بلان على جائزة أفضل لاعب في البطولة.
كانت البدايات بسيطة، لكنها كانت تحمل فكرة كبيرة.
ففي ذلك الزمن كانت كرة القدم الخليجية لا تزال في مرحلة التأسيس، وكانت الملاعب محدودة، والإمكانات متواضعة، والتجارب الدولية قليلة، لكن الحماس كان كبيراً، والرغبة في تطوير اللعبة أكبر. وجاءت كأس الخليج لتمنح أبناء المنطقة موعداً رياضياً منتظماً، يلتقون فيه ويتنافسون ويتعارفون، ويكتشف كل جيل من خلالها أسماء جديدة من اللاعبين والمدربين والحكام والإعلاميين.
ومنذ ذلك اليوم بدأت الحكاية.
اللافت في كأس الخليج أنها لم تكن مجرد بطولة تجمع المنتخبات، وإنما كانت بطولة تكبر مع المجتمع الخليجي نفسه.
جيل السبعينيات عرفها من خلال أجهزة التلفزيون والراديو والصحف، وكان انتظار المباراة لا يقل أهمية عن المباراة نفسها. ثم جاء جيل الثمانينيات الذي وجد في البطولة مساحة أوسع للمنافسة، وظهرت خلاله أسماء أصبحت لاحقاً من رموز الكرة الخليجية والعربية.
وفي التسعينيات دخلت البطولة مرحلة جديدة، بعدما أصبحت المنافسة أكثر قوة، وازدادت الجماهيرية، وتطورت الملاعب ووسائل الإعلام، وأصبح اللاعب الخليجي أكثر حضوراً على الساحة الآسيوية.
ثم جاء جيل الألفية الجديدة، الذي لم يعد يتابع البطولة من خلال التلفزيون والصحافة وحدهما، وإنما عبر القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية التي جعلت مباريات كأس الخليج تصل إلى الملايين في لحظتها.
وهكذا يمكن القول إن كل جيل خليجي له «خليجي» خاصة به؛ بطولة ارتبطت بطفولته أو شبابه أو ذكرياته العائلية، وبأسماء لاعبين كانوا في زمنهم بمثابة النجوم الذين تتعلق بهم الجماهير.
ربما كانت أهم قيمة صنعتها كأس الخليج أنها قدمت للناس مناسبة يلتقون فيها بعيداً عن الحسابات الرسمية.
في المدرجات، كان المشجع القطري يجلس إلى جانب الكويتي والسعودي والبحريني والعراقي والعماني والإماراتي واليمني، وكل منهم يحمل علم بلاده ويشجع منتخب بلاده، لكن الجميع في النهاية يعيشون المناسبة الخليجية نفسها.
ومن هنا أصبحت البطولة مساحة للتعارف الاجتماعي، وموعداً للعائلات، ومناسبة للسفر بين دول الخليج، وذاكرة مشتركة تتناقلها الأجيال.
ولعل أجمل ما في كأس الخليج أن المنافسة فيها كانت شديدة، وأحياناً ساخنة، لكن هذه المنافسة نفسها كانت أحد أسباب استمرارها. فالخلاف في الملعب لم يمنع استمرار العلاقة خارجه، والخسارة لم تلغِ الصداقة، والفوز لم يكن يعني نهاية اللقاء.
لقد تعلمت أجيال خليجية من هذه البطولة أن المنافسة لا تعني القطيعة، وأن اختلاف الألوان والشعارات لا يلغي وحدة المكان والإنسان.
ولم تكن مسيرة كأس الخليج دائماً سهلة.
فقد مرت المنطقة خلال أكثر من خمسة عقود بأحداث سياسية كبيرة، وحروب وأزمات وخلافات، كما مرت كرة القدم الخليجية نفسها بمراحل من التراجع والتقدم، وتغيرت مواعيد بعض النسخ، وتبدلت أنظمة البطولة، وازدادت أعداد المشاركين، ودخلت منتخبات جديدة، وتوقفت بعض النسخ أو تأجلت لأسباب مختلفة.
لكن البطولة كانت في كل مرة تجد طريقها إلى الاستمرار.
وهذه في رأيي إحدى أهم سماتها.
فالرياضة ليست معزولة عن الواقع، ومن الطبيعي أن تتأثر البطولات بما يحدث حولها، لكن ما يميز كأس الخليج أنها استطاعت، عبر تاريخها الطويل، أن تحافظ على وجودها كمساحة للتنافس واللقاء.
حتى في أصعب الظروف السياسية، بقيت كرة القدم قادرة على فتح نافذة للتواصل.
وهنا تكمن قيمة البطولة التي ربما لا تظهر في جدول المباريات أو عدد الأهداف أو أسماء الفائزين.
لقد كان لكأس الخليج أثر واضح في تطور كرة القدم الخليجية نفسها.
فالبطولة منحت اللاعبين فرصة الاحتكاك المستمر، وشجعت الاتحادات على بناء المنتخبات وتطوير المسابقات المحلية، وأسهمت في إنشاء وتطوير الملاعب والمنشآت الرياضية التي احتضنت نسخها المتعاقبة.
كما أصبحت البطولة مختبراً حقيقياً للأجيال الجديدة من اللاعبين والمدربين.
ومن رحم كأس الخليج خرجت أسماء كبيرة تركت بصمتها في كرة القدم الآسيوية والعربية، ونجحت منتخبات الخليج لاحقاً في تحقيق إنجازات قارية والتأهل إلى نهائيات كأس العالم.
ولم تكن قطر بعيدة عن هذه المسيرة؛ فقد استضافت كأس الخليج اربع مرات، في أعوام ١٩٧٦ ، ١٩٩٢ ، ٢٠٠٤ ، ٢٠١٩ وفازت بالبطولة على أرضها في ١٩٩٢ و ٢٠٠٤ ، قبل أن تحقق لقبها الثالث في ٢٠١٤ بالسعودية.
وهذا يؤكد أن كأس الخليج لم تكن نهاية الطريق، وإنما كانت في كثير من الأحيان بداية لطموحات أكب
وعندما ننظر اليوم إلى كأس الخليج، يصعب أن نقارنها بما كانت عليه في عام ١٩٧٠ م .
في النسخة الأولى كان عدد المشاركين أربعة منتخبات فقط، بينما أصبحت البطولة اليوم تضم ثمانية منتخبات. وتطورت الملاعب، وارتفعت مستويات التنظيم، وتقدمت وسائل النقل والإقامة والبث التلفزيوني والتقنيات المستخدمة في المباريات، وأصبحت الجماهير جزءاً من صناعة الحدث وليس مجرد متفرج عليه.
وفي خليجي ٢٧ ، التي تستضيفها جدة هذه الأيام، نرى وجهاً جديداً للبطولة؛ ملاعب حديثة، وتقنيات رقمية في التذاكر، وتجارب جماهيرية تستهدف العائلات والزوار، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي شهدته البطولة خلال أكثر من نصف قرن.
لكن، رغم كل هذا التطور، بقي شيء واحد كما هو .
فالطفل الذي يجلس اليوم في المدرجات لمشاهدة منتخب بلاده هو امتداد لذلك الطفل الذي كان يجلس قبل أربعين أو خمسين عاماً أمام جهاز التلفزيون، ينتظر صافرة البداية ويحلم بأن يصبح يوماً لاعباً في منتخب بلاده.
ولا يمكن الحديث عن إرث البطولة من دون الحديث عن الإعلام.
فكأس الخليج صنعت جيلاً من الصحفيين والمعلقين والمصورين والمذيعين الذين أصبحت البطولة جزءاً من مسيرتهم المهنية. وكانت كل نسخة منها مدرسة إعلامية بحد ذاتها، يتعلم فيها الصحفي كيف ينقل الحدث، وكيف يقترب من اللاعب، وكيف يرصد أجواء الجماهير، وكيف يوثق اللحظة قبل أن تصبح تاريخاً.
وأنا شخصياً، كواحد ممن عاشوا تلك السنوات، أجد أن أجمل ما في كأس الخليج ليس فقط ما شاهدناه داخل الملعب، وإنما ما تركته خارج الملعب من صداقات وذكريات ولقاءات وقصص لا تزال حاضرة في الذاكرة.
فكم من لاعب عرفناه للمرة الأولى في كأس الخليج، ثم أصبح نجماً؟
وكم من مباراة لا نذكر نتيجتها اليوم بقدر ما نذكر أين كنا نشاهدها ومع من كنا نعيش لحظاتها؟
وكم من مدينة ارتبط اسمها في ذاكرتنا ببطولة خليجية استضافتها؟
هذه هي قيمة البطولات الكبرى؛ أن تتحول من أرقام إلى ذكريات.
والتحدي اليوم ليس فقط في المحافظة على كأس الخليج، وإنما في نقل معناها إلى الأجيال الجديدة.
فالجيل الذي ولد في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يعيش الرياضة بطريقة مختلفة تماماً عن جيل السبعينيات والثمانينيات. ولذلك فإن المحافظة على إرث البطولة تحتاج إلى توثيق تاريخها، واستعادة صورها ومبارياتها ونجومها، وتعريف الشباب بالذين صنعوا بداياتها.
ولعل من الجميل أن تتحول البطولة إلى مشروع ذاكرة خليجية، لا يقتصر على نتائج المباريات، وإنما يوثق قصص اللاعبين والجماهير والإعلاميين والمدربين والحكام والمدن التي استضافت البطولة.
فالتاريخ الرياضي ليس أرقاماً فقط، وإنما هو أيضاً وجوه وأصوات وصور ومواقف وذكريات.
من البحرين عام ١٩٧٠ إلى جدة عام ٢٠٢٦ ، تغيرت أشياء كثيرة.
تغيرت كرة القدم، وتغيرت الملاعب، وتغير الإعلام، وتغيرت وسائل متابعة المباريات، وتغيرت أجيال اللاعبين والجماهير.
لكن كأس الخليج بقيت.
استمرت لأنها لم تكن مجرد بطولة تبحث عن بطل، وإنما كانت تبحث، في جوهرها، عن مساحة يلتقي فيها أبناء الخليج.
ولهذا فإن إرث كأس الخليج لا يقاس بعدد البطولات التي فاز بها هذا المنتخب أو ذاك، ولا بعدد الأهداف التي سجلها لاعب، وإنما بما تركته في ذاكرة الناس.
لقد صنعت البطولة تاريخاً رياضياً، نعم، لكنها صنعت في الوقت نفسه تاريخاً اجتماعياً وإنسانياً وإعلامياً.
ومنذ أكثر من خمسة عقود، كلما انطلقت صافرة مباراة في كأس الخليج، لا تبدأ مباراة جديدة فقط، وإنما تستيقظ معها ذكريات قديمة، وتعود أسماء غابت، وتظهر أسماء جديدة، ويجلس جيل جديد أمام الشاشة أو في المدرجات.
وهكذا تستمر الحكاية…
حكاية بطولة بدأت صغيرة في عام ١٩٧٠ ، وكبرت مع الخليج وأجياله، وتجاوزت محطات كثيرة، وبقيت حتى اليوم واحدة من أجمل صور اللقاء الخليجي.
ولذلك ربما يكون من حق كأس الخليج أن نقول عنها:
إنها لم تكن بطولة كرة قدم فحسب… بل كانت جزءاً من ذاكرتنا الخليجية.



