مقالات رأي

المنتخب السعودي.. من أمجاد الماضي إلى معانقة التتويج 

 

 

المنتخب السعودي ليس مجرد أحد عشر لاعبًا يدخلون أرض الملعب، بل هو شعار وطن وتاريخ وجمهور لا يقبل أن يرى الأخضر إلا في المكان الذي يليق به. عاشت الكرة السعودية سنوات جميلة صنعت فيها أسماء كبيرة تاريخًا لا يُنسى، وحقق المنتخب البطولات ووقف أمام كبار آسيا والعالم بثقة وشخصية.

 

تُوّج الأخضر بكأس آسيا ثلاث مرات، وتأهل إلى كأس العالم في مناسبات عديدة، وكانت مشاركته الأولى عام 1994 واحدة من أجمل صفحات الكرة السعودية، بعدما وصل إلى دور الـ16. وتعاقبت بعد ذلك أجيال حملت القميص الأخضر وصنعت أفراحًا بقيت في ذاكرة السعوديين.

 

من يحب المنتخب عليه أيضًا ألا يتجاهل فترات التراجع. ففي مراحل مختلفة، ابتعد المنتخب عن مستواه المعروف، وأصبح أداؤه أقل من تطلعات الجماهير رغم الإمكانات الكبيرة للكرة السعودية. ولم تكن المشكلة دائمًا في نقص المواهب، بل في كيفية إدارة المنتخب واختيار العناصر والاستقرار الفني.

 

ومن أكثر الأمور التي أثارت استياء الجماهير في بعض الفترات استمرار الاعتماد على أسماء رغم انخفاض مستواها، في الوقت الذي كان فيه لاعبون آخرون يقدمون مستويات أفضل مع أنديتهم وينتظرون فرصتهم. ولهذا ظهرت انتقادات جماهيرية تتحدث عن وجود لاعبين «مفروضين» على المنتخب.

 

ومن المهم هنا أن نكون منصفين؛ فلا يمكن اعتبار وجود لاعبين مفروضين حقيقة من دون دليل واضح، لكن من حق الجمهور أن يسأل: لماذا يستمر لاعب لا يقدم المستوى المطلوب؟ ولماذا يغيب لاعب متألق؟ وهل الاختيار قائم فعلًا على الجاهزية والمستوى، أم على الاسم والخبرة والقناعات القديمة؟

 

فالمنتخب يجب ألا يعرف المجاملة. لا يهم من أي نادٍ يأتي اللاعب، ولا حجم اسمه أو شعبيته. المعيار الأول والأخير يجب أن يكون: من هو اللاعب الأكثر استحقاقًا لتمثيل المنتخب السعودي؟

 

كما مر الأخضر بفترات لم يكن فيها بعض المدربين بالمستوى الذي تتطلبه المرحلة. مدرب المنتخب السعودي لا يكفي أن يمتلك اسمًا معروفًا أو سيرة ذاتية كبيرة، بل يجب أن يفهم إمكانات اللاعب السعودي، وأن يمتلك شخصية فنية واضحة، ويعرف كيف يوظف اللاعبين ويختار تشكيلته وفق المستوى والجاهزية، وليس وفق الأسماء.

 

وكثرة تغيير الأجهزة الفنية وعدم الاستقرار على مشروع طويل المدى ساهمت أيضًا في ضياع الهوية الفنية في بعض المراحل. مرة نشاهد منتخبًا هجوميًا، ومرة منتخبًا متحفظًا، ومرة تتغير الأسماء والخطط بصورة تجعل الجماهير تتساءل عن هوية الأخضر الحقيقية.

 

ومع كل ذلك، كان المنتخب قادرًا بين فترة وأخرى على تذكير الجميع بقيمته وإمكاناته. ومن أجمل الأمثلة الانتصار التاريخي على الأرجنتين بنتيجة 2–1 في كأس العالم 2022. يومها شاهد العالم منتخبًا سعوديًا منظمًا وشجاعًا يلعب دون خوف أمام منتخب أصبح لاحقًا بطلًا للعالم.

 

وتلك المباراة أعطت درسًا مهمًا: المشكلة لم تكن يومًا في قدرة اللاعب السعودي. فعندما يوجد الاختيار الصحيح، والإعداد الجيد، والمدرب القادر على توظيف اللاعبين، والثقة داخل الملعب، يستطيع الأخضر الوقوف أمام أقوى المنتخبات والمنافسة معها.

 

ولهذا فإن المنتخب لا يحتاج إلى أسماء تلعب بتاريخها، ولا إلى مدرب يعيش على سيرته الذاتية. يحتاج إلى اللاعب الأكثر جاهزية، والمدرب الأكثر كفاءة، وإدارة تمنحه الاستقرار وتحاسبه في الوقت نفسه على النتائج. ومن يرتدي شعار المنتخب يجب أن يعرف أن خلفه وطنًا كاملًا ينتظر منه أن يقدم كل ما لديه.

 

لا لاعب أكبر من المنتخب، ولا مدرب أكبر من المنتخب، ولا نادٍ أكبر من المنتخب.

 

وبعد كل تلك المراحل، جاءت كأس الخليج 27 لتفتح صفحة جديدة للأخضر، بعدما عاد المنتخب السعودي إلى منصة التتويج ورفع الكأس من جديد. وهنا أصبحت للبطولة قيمة تتجاوز مجرد إضافة لقب جديد إلى سجل المنتخب؛ لأنها جاءت بعد مرحلة شهدت الكثير من الانتقادات والتساؤلات حول مستوى الأخضر ومستقبله.

 

لقد أعادت البطولة الفرحة إلى الجماهير وأكدت أن المنتخب السعودي، مهما مر بفترات تراجع، قادر على العودة عندما تتوافر له الظروف المناسبة. لكنها في الوقت نفسه يجب ألا تجعلنا ننسى أخطاء الماضي؛ فاللقب الحقيقي لا يكون في رفع الكأس فقط، وإنما في البناء على الإنجاز وعدم العودة إلى المجاملات والأخطاء الفنية التي كلفت المنتخب كثيرًا في مراحل سابقة.

 

ويجب أن تكون كأس الخليج 27 بداية وليست نهاية. بداية لمنتخب تكون فيه الأفضلية للأكثر جاهزية، ويأخذ فيه اللاعب فرصته بناءً على مستواه، ويحصل فيه المدرب الكفء على الأدوات والاستقرار اللازمين لبناء فريق يستطيع المنافسة لسنوات، لا لبطولة واحدة فقط.

 

فالجماهير السعودية لا تريد فرحة مؤقتة، بل تريد أن ترى منتخبها يعود إلى مكانه الطبيعي بين كبار آسيا، وينافس بقوة عندما يقف أمام منتخبات العالم. وإذا كانت كأس الخليج 27 قد أعادت الكأس والفرحة، فإن الطموح السعودي يجب أن يكون أكبر من ذلك بكثير.

 

قد نختلف على لاعب، وننتقد مدربًا، ونغضب من نتيجة، لكننا نتفق جميعًا عندما يبدأ النشيد الوطني ويرتدي اللاعبون اللون الأخضر.

 

من أمجاد الماضي، إلى سنوات التراجع، ثم العودة ورفع كأس الخليج 27… تتغير الأسماء والمدربون والأجيال، لكن يبقى المنتخب السعودي، ويبقى شعار الوطن فوق الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com