نزار آل عباس يستعيد رحلة الترجي والاتحاد والمنتخب: دموع مشجع اتحادي لا تزال في ذاكرتي

الدمام – عبدالله العبيدي
من ملاعب القطيف، حيث بدأت ملامح الموهبة تتشكل في سن مبكرة، إلى نادي الاتحاد الذي عاش معه مرحلة كروية مهمة، وصولًا إلى المنتخب السعودي والمساهمة في رحلة التأهل إلى كأس العالم 1994؛ تمتد مسيرة الكابتن نزار آل عباس عبر محطات تجمع بين الشغف والتحدي والذكريات.
بدأ آل عباس مشواره مع نادي الترجي عام 1984، ولفت الأنظار بقدرته على تسجيل الأهداف، قبل أن يبرز هدافًا في منافسات جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وهي المرحلة التي فتحت أمامه أبواب الانتقال إلى الاتحاد. وهناك عاش تجربة مع جيل مميز من اللاعبين، وأسهم في مسيرة الفريق التي توجت بالثلاثية التاريخية عام 1997.
وفي هذا الحوار، يستعيد آل عباس تفاصيل بداياته، وكواليس انضمامه إلى الاتحاد، وذكرياته مع المنتخب السعودي، ويتحدث عن حنينه إلى الملاعب بعد الاعتزال، ورؤيته لتطور كرة القدم السعودية، إلى جانب تقييمه لمسيرة الاتحاد بين جيل الأمس وفريق اليوم.
*من القطيف إلى الاتحاد.. البداية من نادي الترجي*
*كيف بدأت علاقتك بكرة القدم، وكيف قادتك بداياتك إلى نادي الاتحاد؟*
بدأت علاقتي بكرة القدم منذ الطفولة، من خلال حصص التربية البدنية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، حيث كان شغفي باللعبة يزداد يومًا بعد يوم. وفي عام 1984، التحقت بنادي الترجي ولعبت مع فريق الناشئين، وهناك بدأت أكتشف موهبتي في تسجيل الأهداف، إذ كنت أسجل هدفًا أو هدفين في معظم المباريات.
توقف النشاط الرياضي بالنادي خلال عام 1985 بسبب بعض الظروف، ثم عاد في العام التالي، وصعدت حينها إلى فريق الشباب. وكانت تلك المرحلة من الفترات المميزة لنادي الترجي، على مستوى مختلف الألعاب، مع حضور جماهيري كبير، خصوصًا في كرة القدم.
شاركت مع فريقي الشباب والفريق الأول، وحققنا بطولة المنطقة الشرقية للدرجة الثانية، وهي محطة أسهمت في بروز اسمي على مستوى منطقة القطيف.
بعد تخرجي من الثانوية، التحقت بجامعة الملك عبدالعزيز في جدة، وبدأت مرحلة جديدة جمعت بين الدراسة والنشاط الرياضي. مارست عدة ألعاب، منها كرة القدم وألعاب القوى وكرة السلة والكرة الطائرة، وشاركت في المنافسات الرياضية بين كليات الجامعة.
كانت المحطة الأهم بالنسبة لي دوري كرة القدم للكليات، الذي شهد بروز موهبتي التهديفية؛ إذ أصبحت هداف فريق الكلية، ثم هداف منتخب الجامعة. ومن خلال تلك المنافسات، ظهر اسمي إلى جانب لاعبين بارزين كانوا يمثلون أندية الاتحاد والأهلي والوحدة، مثل المرحوم خالد الرويحي ومروان دفتردار وسلطان العمري.
بعد ذلك، حضر مندوبون من الاتحاد والأهلي لمشاهدتي عن قرب، وتلقيت اهتمامًا من الناديين. وجاء لقائي بالأستاذ الراحل عبدالله جابر، مدير كرة القدم بنادي الاتحاد، عن طريق زميل الدراسة الاتحادي محمد العوذلي. واتفقنا على خوض مباراة ودية مع الاتحاد لتقييم إمكانياتي، وبعد التجربة سارت الأمور سريعًا، ووقعت في كشوفات النادي.
*أول مباراة رسمية.. مشجع كشف له قيمة الاتحاد*
*كيف كانت بداياتك مع الاتحاد؟ وما أبرز موقف بقي في ذاكرتك؟*
كانت بداية الانتقال من الدرجة الثانية إلى نادٍ بحجم الاتحاد مرحلة جديدة حملت شيئًا من الرهبة، لكنني وجدت تعاونًا كبيرًا من اللاعبين وتشجيعًا من الجماهير، إلى جانب دعم الإدارة. وكان لوقفة اللاعبين الكبار، وفي مقدمتهم الكابتن أحمد جميل، أثر مهم في سرعة تأقلمي مع الفريق.
ومن المواقف التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي ما حدث قبل أول مباراة رسمية لي مع الاتحاد بيوم، وكانت أمام النادي العربي الكويتي في جدة. استوقفني أحد الجماهير قبل دخولي النادي، وبدأ يتحدث معي ويحثني على اللعب والمشاركة بقوة.
كان شديد التأثر، وعيناه مغرورقتين بالدموع حتى وصل به الأمر إلى البكاء. ترك ذلك الموقف أثرًا كبيرًا في نفسي، وأدركت حينها حجم ارتباط جماهير الاتحاد بناديها، وقيمة القميص الذي سأرتديه.
*الجيل الذهبي.. روح العائلة تصنع الفارق*
*عاصرت مجموعة من أبرز نجوم الاتحاد في التسعينات، فما الذي ميّز ذلك الجيل؟*
الحمد لله، أكرمني الله بالوجود مع مجموعة أعدّها من أفضل أجيال الاتحاد في تلك الحقبة. ضم الفريق لاعبين كبارًا مثّل أغلبهم منتخبات المملكة في مختلف الدرجات، وفي مقدمتهم القائد أحمد جميل، ومحمد الخليوي، رحمه الله، وحسن خليفة، وإسماعيل حكمي، ومروان بصاص، وعبدالله فوال، وغيرهم من النجوم.
كانت علاقتنا أشبه بعائلة واحدة؛ نفرح جميعًا عند الفوز، ونتأثر جميعًا عند الخسارة. هذه الروح الجماعية كانت من أبرز سمات الفريق، وأسهمت في بناء شخصية الاتحاد بوصفه منافسًا قويًا على مختلف البطولات.
وتُوّجت تلك المرحلة بتحقيق الثلاثية التاريخية عام 1997، التي تمثل محطة بارزة في تاريخ النادي.
*ومن اللاعبين الذين ترى أنهم يستحقون حضورًا إعلاميًا أكبر؟*
أرى أن عبدالله ريحان وإسماعيل حكمي من اللاعبين الذين يستحقون تسليط الضوء على مسيرتهم بصورة أكبر، نظرًا إلى دورهما الكبير في التشكيلة الأساسية للاتحاد على مدى فترة طويلة.
*المنتخب السعودي.. شرف ارتداء قميص الوطن*
*كيف تصف تجربتك مع المنتخب السعودي، وما أبرز ذكرياتك عن التأهل إلى كأس العالم 1994؟*
جاء انضمامي إلى المنتخب السعودي بعد بروزي هدافًا لفريق الاتحاد، وكان الخبر مصدر فرحة كبيرة بالنسبة لي. ارتداء قميص المنتخب يمثل لحظة استثنائية في حياة اللاعب، ويمنحه شعورًا بأن سنوات التدريب والتعب أثمرت عن تحقيق أحد أكبر أحلامه الرياضية.
كما يصاحب هذه اللحظة شعور عميق بالمسؤولية، لأن اللاعب يمثل وطنه وجماهيره، ويحمل تطلعات شعب كامل.
والحمد لله، أكرمني الله بأن أكون أحد اللاعبين الذين ساهموا في رحلة المنتخب السعودي إلى كأس العالم للمرة الأولى عام 1994. كان التأهل إنجازًا تاريخيًا للكرة السعودية، وشهدت التصفيات مباريات صعبة، من أبرزها المواجهة أمام المنتخب الإيراني، التي انتهت بفوزنا بنتيجة 4-3، في مباراة لا تزال حاضرة في الذاكرة.
*الاعتزال والحنين إلى الملاعب.. استاد الأمير عبدالله الفيصل في الذاكرة*
*كيف كانت مرحلة الابتعاد عن كرة القدم؟ وهل راودك الحنين إلى العودة؟*
اتجهت بعد ترك كرة القدم إلى العمل المصرفي في مدينة جدة، وواصلت خلال تلك الفترة المشاركة في بعض الدورات الرياضية. ومع الانتقال إلى الحياة المهنية، بدأت مرحلة مختلفة من حياتي، تتطلب التكيف مع طبيعة العمل ومتطلباته.
وخلال العام الذي تركت فيه نادي الاتحاد، شعرت بحنين إلى العودة إلى الملاعب، وخصوصًا استاد الأمير عبدالله الفيصل، الذي يحمل الكثير من الذكريات الجميلة بالنسبة لي. فقد ارتبطت تلك المرحلة بتجارب ومواقف بقيت حاضرة في ذاكرتي، وأسهمت في تشكيل علاقتي بكرة القدم.
وكانت تجربتي الرياضية مصدرًا مهمًا للدروس التي استفدت منها في حياتي المهنية، خصوصًا في الانضباط والتعامل مع الضغوط وبناء العلاقات والمحافظة عليها.
*من الاحتراف إلى العمل المصرفي.. دروس تتجاوز المستطيل الأخضر*
*ما أبرز الفوارق التي وجدتها بين الحياة الرياضية والعمل المهني؟*
هناك اختلاف كبير بين ممارسة كرة القدم بصورة احترافية والعمل في المجال المهني، خصوصًا من حيث طبيعة الضغوط ومتطلبات الحياة اليومية.
فاللاعب يرتبط بنظام غذائي وتدريبي وسلوكيات محددة، إلى جانب ضغط المباريات وحساسيتها، كما أن مسيرته الرياضية تمتد لفترة محدودة نسبيًا، ما يجعله بحاجة إلى التخطيط المبكر لمرحلة ما بعد الاعتزال.
أما في المجال المهني، وخصوصًا القطاع المصرفي، فتتراكم الخبرة مع مرور السنوات، ويمكن أن يكتسب الإنسان قيمة أكبر من خلال تطوره المستمر.
وأهم درس بقي معي من كرة القدم هو أهمية بناء العلاقات والمحافظة عليها. فالتجربة الرياضية تعلّم اللاعب العمل الجماعي، والتعامل مع مختلف الشخصيات، وتحمل المسؤولية، وهي مهارات يستفيد منها الإنسان في حياته العملية والاجتماعية.
*اتحاد التسعينات والكرة الحديثة.. قراءة في التحولات*
*كيف تقارن بين الاتحاد الذي عاصرته في التسعينات والكرة السعودية اليوم؟*
يظل الاتحاد ناديًا كبيرًا بجماهيره العاشقة، التي يتواصل ارتباطها به عبر الأجيال، حتى مع تغير الأسماء والعناصر.
كان اتحاد التسعينات يتميز بالألفة بين اللاعبين، خصوصًا أن أغلبهم نشؤوا وتربوا داخل النادي. كنا نتشارك فرحة الفوز ونتحمل مسؤولية الخسارة، وهو ما انعكس على شخصية الفريق داخل الملعب.
وكانت التسعينات بداية عصر الاحتراف في كرة القدم السعودية، وشهدت تلك المرحلة تحديات مرتبطة باللوائح والخبرة الإدارية والمردود المادي، الذي كان محدودًا مقارنة بما نراه اليوم.
أما في كرة القدم الحديثة، فأرى أن الجانب المادي أصبح أكثر تأثيرًا في المشهد الرياضي. كما أعتقد أن صناعة اللاعب وتطويره يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب مع اكتشاف الموهبة الفطرية وصقلها.
وقد شهدت الكرة السعودية في الثمانينات والتسعينات بروز أسماء كبيرة، مثل يوسف الثنيان، وفهد الغشيان، وماجد عبدالله، وفهد الهريفي، وحمد الخليوي، ومحمد نور، وخالد مسعد، وغيرهم من النجوم الذين تركوا بصمات بارزة في تاريخ اللعبة.
*الاتحاد هذا الموسم.. آمال المنافسة والعودة إلى البطولات*
*كيف تقيّم وضع الاتحاد الحالي، وما توقعاتك لمشاركته في البطولات؟*
بعد حصول الاتحاد على بطولتي دوري روشن السعودي وكأس الملك قبل عامين، شهد الفريق تغييرات أثرت، من وجهة نظري، في المنظومة الفنية التي بناها المدرب لوران بلان.
فبعد أول جولتين من بداية الموسم، أُبعد المدرب، وتولى المهمة مدرب آخر لم يكن عند مستوى تطلعات الجماهير الاتحادية، إلى جانب إبعاد بعض اللاعبين. وأرى أن هذه التغييرات أثرت في الفريق وأبعدته عن المنافسة في المواسم الماضية.
أما هذا الموسم، فأرى أن الاتحاد يمتلك مدربًا ألمانيًا، فيسينج، لديه عقلية واضحة، ويعرف إمكانيات اللاعبين، ويعتمد أسلوب لعب يناسب الفريق إلى حد كبير.
أتوقع أن يكون وضع الاتحاد أفضل من الموسمين الماضيين، وأن يدخل دائرة المنافسة، مع إدراكي لصعوبة تحقيق بطولة. وأرى أن الفريق قادر على تقديم حضور تنافسي في مختلف البطولات التي يشارك فيها.



