السعودي أكبر من الإماراتي.. والتاريخ لا يمحوه الضجيج

الرياض – خالد بن مرشد
في كرة القدم، قد ترتفع الأصوات، وقد تتضخم الشعارات، وقد تحاول بعض الجماهير صناعة أمجادٍ بالكلام، لكن تبقى الحقيقة التي لا تتغير: التاريخ لا يُكتب بالصراخ، والمكانة لا تُصنع بالضجيج، والتفوق لا يُثبت إلا بالأرقام والإنجازات.
وعندما نتحدث عن المنتخب السعودي والمنتخب الإماراتي، فنحن أمام مسارين مختلفين في تاريخ كرة القدم الآسيوية؛ مسارٍ صنع حضورًا تاريخيًا راسخًا، واعتاد المنافسة على البطولات الكبرى، ومسارٍ آخر حقق إنجازاته وطموحاته، لكنه لم يبلغ حجم الإنجازات السعودية ولا امتدادها التاريخي.
الأخضر أكبر من محاولات التقليل منه
المنتخب السعودي ليس مجرد منتخب يشارك في البطولات، بل هو أحد أعمدة الكرة الآسيوية، وصاحب تاريخ ثقيل من الإنجازات، تتصدره ثلاثة ألقاب في كأس آسيا أعوام 1984 و1988 و1996، إلى جانب حضوره المتكرر في نهائيات كأس العالم.
أما المنتخب الإماراتي، فعلى الرغم من وصوله إلى نهائي كأس آسيا عام 1996، وتأهله إلى كأس العالم عام 1990، فإنه لا يملك سجلًا من البطولات القارية يوازي السجل السعودي. وهذه ليست إساءة إلى الإمارات، بل حقيقة تاريخية تؤكدها الأرقام.
السعودية تتحدث عن تاريخٍ من البطولات، بينما لا يزال الطموح الإماراتي يبحث عن إنجاز قاري يضعه في المرتبة ذاتها.
التجنيس لا يصنع تاريخًا بمفرده
لقد سعت الكرة الإماراتية إلى تعزيز منتخبها باللاعبين المجنسين، في محاولة لرفع مستوى المنافسة وتحقيق نتائج أكبر. والتجنيس، في حد ذاته، ليس أمرًا غريبًا على كرة القدم العالمية، ولا ينتقص من قيمة أي منتخب متى جرى وفق الأنظمة المعمول بها.
لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما يكتشف الجميع أن جمع الأسماء وتغيير الجنسيات الرياضية لا يكفي وحده لصناعة تاريخ بحجم تاريخ المنتخب السعودي.
فالمنتخب لا يُقاس بجوازات لاعبيه، ولا بحجم الأموال التي تُنفق عليه، ولا بعدد الأسماء التي تُستقطب إليه، وإنما بما يحققه من بطولات، وبقدرته على صناعة هوية كروية متماسكة، وبما يتركه من بصمة في ذاكرة القارة.
والمنتخب السعودي، بأبنائه الذين حملوا قميص الوطن عبر الأجيال، أثبت أن الاستمرارية والهوية والتراكم التاريخي عناصر لا يمكن اختصارها في مشروع قصير الأجل.
كأس آسيا 1996.. حين حسم الملعب ما عجزت عنه الشعارات
تبقى بطولة كأس آسيا عام 1996 واحدة من المحطات الفارقة في تاريخ المواجهة بين المنتخبين. فقد استضافت الإمارات البطولة على أرضها وبين جماهيرها، وبلغ المنتخبان المباراة النهائية، لتُحسم المواجهة بركلات الترجيح لمصلحة المنتخب السعودي.
كان المشهد بالغ الدلالة: الإمارات تستضيف البطولة، والجماهير تملأ المدرجات، والطموح الإماراتي يبلغ ذروته، لكن الكأس ذهبت إلى السعودية.
لم يكن ذلك انتقاصًا من المنتخب الإماراتي، الذي قدم بطولة قوية، بل كان تأكيدًا على أن كرة القدم لا تمنح ألقابها بناءً على الأرض والجمهور والتوقعات، وإنما لمن يحسم اللحظات الكبرى.
السعودية لم تذهب إلى الإمارات لتشارك في الحكاية؛ ذهبت لتنافس على الكأس، وعادت بها إلى الوطن.
وهذه هي طبيعة المنتخبات الكبيرة: تعرف كيف تتعامل مع الضغط، وكيف تحول اللحظات الصعبة إلى صفحات مضيئة في سجلها.
الحساسية من التفوق السعودي
المؤسف أن بعض الخطابات الجماهيرية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، فتتحول كل مواجهة مع المنتخب السعودي إلى معركة نفسية، وكل فوز سعودي إلى أزمة خطابية، وكل تفوق للأندية السعودية إلى مادة للاحتقان والجدل.
وقد ظهرت في بعض المشاهد الجماهيرية والإعلامية، خلال المنافسات الخليجية، انفعالات حادة ومبالغات في ردود الفعل تجاوزت حدود التشجيع الطبيعي. وعندما يصبح الفوز والخسارة سببًا للشتائم والتجريح والتهكم، فإن المشكلة لا تعود في كرة القدم، بل في طريقة التعامل مع نتائجها.
ومن حق الجمهور الإماراتي أن يفرح بانتصارات منتخب بلاده، ومن حقه أن يحزن عند الخسارة، كما يحدث مع جماهير العالم أجمع. لكن ليس من حق أحد أن يحوّل المنافسة إلى إساءة لشعب كامل أو أن يتعامل مع التفوق السعودي وكأنه إهانة شخصية.
فالمنتخب السعودي ليس مسؤولًا عن مشاعر الآخرين، ولا مطالبًا بالاعتذار عن تاريخه، ولا مضطرًا إلى التنازل عن مكانته حتى يرضى عنه أحد.
الأندية السعودية.. منافسة أكبر من الشعارات
ولم تعد المقارنة مقتصرة على المنتخبات؛ فقد امتد التنافس إلى الأندية، خصوصًا مع تصاعد حضور الأندية السعودية في المشهد الآسيوي، واتساع قدرتها على استقطاب النجوم والمنافسة على البطولات.
ومن الطبيعي أن يثير هذا التطور نقاشًا حادًا بين الجماهير الخليجية، لكن من غير الطبيعي أن تتحول المنافسة إلى حساسية دائمة تجاه كل نجاح سعودي، أو أن يصبح التقليل من الإنجازات بديلًا عن تحقيق إنجازات مماثلة.
الأندية السعودية بنت سمعتها عبر عقود من المنافسة المحلية والقارية، والجماهير السعودية لم تستيقظ يومًا لتجد تاريخها جاهزًا؛ بل صنعته أجيال من اللاعبين والمدربين والإداريين، وراكمته البطولات والمواقف الحاسمة.
ومن يريد تجاوز هذا التاريخ، فطريقه واضح: العمل، والتطوير، والإنجاز، لا الصراخ في البرامج ولا تحويل كل خسارة إلى قضية كرامة وطنية.
الخلاصة: التاريخ لا يخضع للمجاملة
المقارنة بين المنتخب السعودي والمنتخب الإماراتي يجب أن تبقى مقارنة رياضية تستند إلى الوقائع. والسجل التاريخي يمنح السعودية أفضلية واضحة في عدد ألقاب كأس آسيا، وعدد مشاركات كأس العالم، وحجم الحضور القاري عبر العقود.
لكن التفوق التاريخي لا يعني أن المنتخب السعودي لا يخسر، ولا أن المنتخب الإماراتي عاجز عن الفوز عليه؛ فكلاهما حقق انتصارات، وكرة القدم لا تعترف بالضمانات المسبقة. إنما الفارق أن منتخبًا يمتلك سجلًا أكبر من الإنجازات، وآخر لا يزال يسعى إلى تقليص الفجوة.
السعودي أكبر بتاريخ منتخبه، لا بجنسية غيره. وأقوى بإنجازاته، لا بارتفاع صوته. وأثبت مكانته في الملاعب، لا في البرامج الحوارية.
ومن أراد أن ينافس الأخضر، فليواجهه في الملعب، وليحاول تجاوزه بالبطولات، وليصنع لجماهيره أمجادًا توازي طموحاتها. أما محاولة الانتقاص من المنتخب السعودي كلما تفوق، فلن تغير رقمًا في سجل البطولات، ولن تمحو كأسًا من خزائن التاريخ.
ففي نهاية المطاف، تبقى كرة القدم هي الحكم، وتبقى البطولات هي الشاهد، ويبقى التاريخ أكبر من كل ضجيج.



