نعمان عبدالغني يكتب:” مدراء الكرة في الأندية.. بين التأهيل العلمي والمنجز العملي”

لم تعد كرة القدم الحديثة مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت صناعة احترافية تتطلب كفاءات إدارية قادرة على مواكبة حجم الاستثمارات والتحديات. وفي مقدمة هذه الكفاءات يأتي مدير الكرة، الذي يمثل حلقة الوصل بين الإدارة والجهاز الفني واللاعبين، ويساهم في استقرار الفريق وانضباطه وتهيئة بيئة العمل المناسبة.
ومع التطور المتسارع الذي تشهده كرة القدم السعودية، يبرز تساؤل جوهري: هل يخضع اختيار مدراء الكرة لمعايير التأهيل العلمي والكفاءة والمنجز العملي، أم أن بعض التعيينات لا تزال تعتمد على الأسماء والعلاقات والتاريخ الرياضي؟
إن إدارة فريق محترف تتطلب معرفة بالأنظمة واللوائح، وإدارة الأزمات، والقيادة، والتواصل، وفهم طبيعة العلاقات داخل المنظومة الرياضية. وهي مهارات لا تُكتسب بالضرورة من ممارسة كرة القدم، مهما بلغت نجومية اللاعب أو امتدت سنوات مشاركته.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الخبرة الميدانية، فهي عنصر مهم يمنح صاحبها فهمًا لطبيعة المنافسات وغرف الملابس وضغوط اللاعبين. لكن الخبرة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بالتأهيل والقدرة على تحويل المعرفة إلى أداء إداري مؤثر. فليس كل لاعب ناجح مديرًا ناجحًا، كما أن الكفاءة الإدارية ليست حكرًا على من سبق له ارتداء قميص النادي.
ويبقى المنجز العملي الاختبار الحقيقي للجدارة، على ألا يُختزل في البطولات والنتائج، فهي مسؤولية منظومة متكاملة. وإنما يُقاس أداء مدير الكرة بقدرته على تعزيز الانضباط، واحتواء الخلافات، وإدارة الأزمات، وتنظيم العلاقة بين الأطراف، والمحافظة على استقرار الفريق وفق صلاحيات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
وفي ظل الاستثمارات الكبيرة التي تشهدها الأندية السعودية، تبدو الحاجة ملحّة إلى تطوير معايير اختيار مدراء الكرة، فلا يستقيم استقطاب لاعبين ومدربين عالميين، مقابل إسناد مواقع إدارية مؤثرة دون اشتراط التأهيل المهني والخبرة المناسبة والكفاءة المثبتة.
كما أن تقدير اللاعبين السابقين والرموز الرياضية لا ينبغي أن يتحول إلى منح مناصب تنفيذية على سبيل التكريم أو المجاملة. فالتاريخ الرياضي يستحق الاحترام، لكنه لا يمنح صاحبه أهلية إدارية تلقائية، ولا يعفيه من التقييم والمساءلة.
من التشخيص إلى الحلول العملية
ولكي لا يبقى الحديث عن الاحتراف الإداري مجرد شعارات، فإن تطوير منصب مدير الكرة يتطلب خطوات عملية قابلة للتطبيق، أبرزها:
أولًا: اعتماد معايير مهنية للتعيين. وضع توصيف وظيفي موحد يحدد المؤهلات والمهارات والخبرات المطلوبة، مع إخضاع المرشحين لمقابلات واختبارات تقيس قدرتهم على التعامل مع المواقف الإدارية والأزمات، بدلًا من الاكتفاء بالسيرة الرياضية.
ثانيًا: إطلاق برنامج تأهيل متخصص. تتولى الجهات الرياضية المختصة، بالتعاون مع المؤسسات التعليمية، تطوير برامج مهنية لمدراء الكرة تشمل اللوائح الرياضية، وإدارة الفرق، والقيادة، والتواصل، وتسوية النزاعات، على أن يصبح اجتياز التأهيل المعتمد أحد متطلبات شغل المنصب، وفق إطار تنظيمي واضح.
ثالثًا: تطبيق مؤشرات أداء قابلة للقياس. اعتماد تقييم نصف سنوي يشمل الالتزام باللوائح، وكفاءة معالجة المشكلات، وجودة التنسيق مع الأجهزة الفنية، ومستوى الانضباط، مع ربط التقييم بالصلاحيات الفعلية لمدير الكرة، وليس بنتائج المباريات وحدها.
رابعًا: تحديد الصلاحيات ومنع تداخل الأدوار. توثيق العلاقة التنظيمية بين مدير الكرة والمدرب والمدير الرياضي وإدارة النادي، بما يمنع ازدواجية القرارات ويحدد المسؤوليات وآليات التصعيد والمحاسبة.
خامسًا: ربط الاستمرار بالإنجاز والتطوير. اعتماد مراجعة سنوية للأداء، تتضمن خطة تطوير فردية، بحيث يستند تجديد الثقة إلى نتائج التقييم والالتزام المهني، لا إلى العلاقات أو الاعتبارات الشخصية.
ويمكن البدء بتطبيق هذه الإجراءات تدريجيًا في الأندية المحترفة، ثم مراجعة نتائجها بعد موسم رياضي واحد قبل التوسع فيها.
الخاتمة
إن تطوير كرة القدم السعودية لا يكتمل بالصفقات الكبرى والمنشآت الحديثة وحدها، بل يحتاج إلى إدارة محترفة تواكب حجم الطموح والاستثمار.
فالأندية لا تحتاج إلى أسماء كبيرة بقدر حاجتها إلى كفاءات قادرة على صناعة الفارق، والمناصب الإدارية ليست مكافأة على تاريخ مضى، بل مسؤولية عن حاضر الفريق ومستقبله.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم قرارات التعيين والاستمرار: ماذا يملك المرشح من تأهيل؟ وماذا قدم من منجز؟ وما القيمة التي يستطيع إضافتها؟
فالتأهيل يمنح الأهلية، والخبرة تصقل القدرة، والمنجز يثبت الجدارة. أما الاحتراف الحقيقي فيبدأ عندما تتحول هذه المعايير من توصيات مكتوبة إلى قرارات ملزمة وممارسات قابلة للقياس والمحاسبة.


