مقالات رأي

الإعلام الرياضي حين تتحول الشاشة إلى فتيل إشعال للمدرجات

 

في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الإعلام الرياضي هو المرآة التي تعكس رقي المنافسة والجسر الذي يربط بين الروح الرياضية والجماهير نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد مغاير تماماً فقد تحولت بعض المنصات الإعلامية بقصد أو بغير قصد من أدوات للتحليل الفني إلى مختبرات لصناعة الأزمات وتغذية الاحتقان تحت شعارات براقة تخفي خلفها سباقاً محموماً نحو التريند ونسب المشاهدة ومن ثم الوقوع في فخ الإثارة الرخيصة

إن الإشكالية الكبرى التي تواجه الإعلام الرياضي المعاصر تكمن في الخلط المفاهيمي بين الإثارة المهنية التي تجذب المشاهد بالمعلومة والتحليل وبين الإثارة الصفراء التي تعتمد على الصراخ وتراشق التهم واستدعاء لغة المظلومية والمؤامرة حين تصبح اللقطة المستفزة هي المعيار الوحيد لنجاح الحلقة التلفزيونية فإننا نكون قد انتقلنا من الصحافة الرياضية إلى دراما المشاحنات حيث يُستبدل الناقد الرصين بالمشجع المتعصب الذي يمتلك ميكروفوناً يعمل على تغذية التعصب من الاستوديو إلى المنصات حيث لا يمكن فصل حالة التعصب المتزايدة في المدرجات وفي فضاء إكس تويتر سابقاً عما يتم ضخه يومياً في الاستوديوهات

الإعلامي اليوم لم يعد مجرد ناقل للحدث بل أصبح في كثير من الأحيان طرفاً فيه إن تبني لغة التشكيك في الذمم أو السخرية من المنافسين أو تضخيم الأخطاء التحكيمية لغرض الإثارة فقط يمنح المشجع العادي شرعية لممارسة التعصب والعدائية تجاه الآخر إنها حلقة مفرغة فالإعلام يغذي الجمهور بالتعصب ليشاهدوه أكثر والجمهور المتعصب يطالب بمزيد من هذه المحتويات المتطرفة والنتيجة هي تسميم البيئة الرياضية بالكامل

لذلك أنا أرى أن المسؤولية الأخلاقية غائب يبحث عن عودة لأن العمل الصحفي الرياضي هو أمانة قبل أن يكون استعراضاً إن كسر حدة التعصب يبدأ بقرار شجاع من صناع القرار في القنوات والمنصات الإعلامية بالعودة إلى ميثاق الشرف الإعلامي هذا الميثاق الذي يضع المصلحة العامة فوق عدد المشاهدات ويؤمن بأن النقد الرياضي يجب أن يفكك الكرة لا أن يفكك المجتمع

أخيراً الرياضة في جوهرها هي وسيلة للتقارب والإعلام هو لسان حال هذا التقارب إن الاستمرار في نهج الإثارة على حساب الأخلاق قد يحقق أرباحاً لحظية أو شهرة زائفة لكنه يهدم في المقابل قيم التنافس الشريف التي بنيت على مدار عقود السؤال الذي يفرض نفسه على كل إعلامي اليوم هل تريد أن تكون جزءاً من الحل أم مجرد عود ثقاب في حريق التعصب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com