مقالات رأي

اللوحة التي لا تهدأ

 

أيها الفنان كن لثواني معنا وانت تشاهد مباراة …
في اللحظة التي يطلق فيها الحكم صافرة البداية، لا تبدأ مجرد مباراة لكرة القدم، بل يشرع الإيقاع في رسم لوحة تشكيلية عملاقة، مساحتها بساط أخضر ممتد، وأدواتها أجساد تتحرك بـ اندفاع مدروس لا يتوقف عن التشكّل، وألوانها كتلٌ بصريّة تتفاعل في فضاء مكاني مَحسوب بدقة.

هذه اللوحة تتحول من ركلة كرة عابرة إلى صرخة وجود وانتماء.
وعلى ضفاف هذا الرسم الحركي، ترتفع أصوات أهازيج المدرجات لتتجاوز معنى الصخب، لتتحول الى ( السند الغنائي ) كما رايتها ، والوقود الروحي الذي يمنح اللون والكتلة بعدهما الرابع فاللوحة لها ابعاد ثلاثة اما الرابع فهو الزمن والحركة ، فحين تغني الجماهير للوطن، فإنها “تُلون” الفضاء بأصواتها، وتخلق ترابطاً فيزيائياً بين ذبذبة الصوت وحماس الجسد في الميدان.
هنا يلتقي الغناء بالفن؛ فالأهزوجة هي التي تحول اللاعب من رياضي يؤدي مهاماً تكتيكية إلى مؤدٍّ جمالي ، يكتب تاريخاً بالمهارة والذكاء، لتصبح المباراة في جوهرها أوبرا بصرية ، تُعرض على مسرح عشبي.

ماذا يفعل الفنان حينها ؟
في هذا الفضاء، لا يقف الفنان التشكيلي كمشاهدٍ عابر، بل هو المحلل البصري ، الذي يقرأ ما وراء النتيجة.
إن دور الفنان في عالم الرياضة يتجاوز رصد الوجوه؛ إنه يعيد صياغة الدراما الكروية في قوالب بصرية خالدة. الفنان هو من يرى في الخطة التكتيكية المدروسة تكوينًا هندسيًا ، ويرى في تلاحم الأجساد وصراع الكرة كتلاً نحتية ، معبرة فنيا بما يجول من الوان وحدث ونتيجة ،،
وحين يتدخل الفنان في تصميم المشهد الرياضي فهو يرى المدرجات والجداريات و الملاعب ويمنحها بُعداً فكرياً وثقافياً.
إنه الجسر الذي يعبر بالمنجز الرياضي من حدود المستطيل الأخضر إلى آفاق الذاكرة الوطنية، محولاً صخب الميدان إلى قيم جمالية لا تبلى، بما يمنح الحداثة الرياضية عمقاً إنسانياً وهويّة لا يمحوها الزمن.

الوطنٍ لا يلعب كرة القدم لمجرد الفوز، بل ليرسم للعالم صورة شعب يعشق الجمال بقدر ما يقدس الانتصار.
والفن والرياضة والغناء هي الأضلاع الثلاثة التي تشكل هويتنا المعاصرة. وستبقى اللوحة التي لا تهدأ ، قصة وطن يغني للحياة، ويرسم للمستقبل، ويؤكد أن الأهداف التي تسكن الشباك تمنحنا الفرح،
لكن اللوحات التي تسكن الوجدان هي التي تمنح المنجز الوطني معنى خالدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com