مقالات رأي

حين يصبح الشغف سلعة… ويُقصى جمهور المدرج الحقيقي

 

لم تعد القضية مجرد تذكرة مباراة، ولا رقم يُكتب على شاشة بيع إلكترونية ثم يختفي خلال دقائق.
ما يحدث اليوم أكبر من ذلك بكثير نحن أمام مشهد يتكرر حتى أصبح يؤلم المدرج الحقيقي؛ ذلك المشجع الذي كان يرى في حضور فريقه جزءًا من حياته، لا رفاهية مؤقتة تُقاس بالقدرة المادية.
حين يصبح حضور المباراة حلمًا مؤجلًا للمشجع البسيط، فنحن لا نتحدث عن سعر فقط، بل عن فجوة بدأت تتسع بين الكرة وجمهورها الحقيقي.
الجمهور الذي صنع الهتاف، ووقف في الخسارة قبل الانتصار، وملأ المدرجات في السنوات الصعبة… لا يستحق أن يجد نفسه اليوم عاجزًا عن الوصول إلى مقعد كان يومًا يشعر أنه بيته.
المؤلم ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل شعور المشجع بأن شغفه أصبح سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.
وكأن الانتماء لم يعد يُقاس بالحب والوفاء، بل بالقدرة على مجاراة الأرقام المتصاعدة في سوق لا يرحم العاشقين.
لا تستغلوا حب الجمهور للنصر.
هذا الجمهور لم يكن يومًا مجرد رقم في منصة بيع، ولا مجرد قوة شرائية تُرفع أمامها الأسعار كلما زاد الشغف.
جمهور النصر تحديدًا أثبت في كل الظروف أنه السند الحقيقي، الحاضر دائمًا، والمخلص حتى في أصعب اللحظات، ولذلك فإن أقل ما يستحقه هو الاحترام… لا أن يتحول إخلاصه إلى فرصة للاستنزاف.
المدرجات لم تُخلق للأثرياء فقط، بل خُلقت لذلك الأب الذي يحمل ابنه لأول مرة ليعلّمه معنى الانتماء، لذلك الشاب الذي ينتظر المباراة طوال أسبوعه، لذلك المشجع الذي يختصر فرحه وحزنه في تسعين دقيقة.
هؤلاء هم روح الكرة… وإذا غابوا، بقيت المدرجات ممتلئة بالأجساد، فارغة من الروح.
من حق أي جهة أن تستثمر، ومن حق الأندية أن تبحث عن العوائد، لكن ليس من حق أحد أن يختطف اللعبة من جمهورها الحقيقي.
فالكرة بلا جمهورها الشعبي تفقد نبضها، وتتحول إلى مشهد بارد مهما امتلأت المدرجات.
الجمهور الذي صنع الأهازيج، وحمل ناديه في أصعب الظروف، لا يجب أن يتحول إلى متفرج خلف الشاشة فقط لأن الشغف أصبح أغلى من قدرتهم على الوصول إليه.
لأن بعض القضايا لا تُقاس بالأرقام… بل بوجع المشجع حين يقف بعيدًا عن ناديه، ليس لأنه أراد الغياب، بل لأن الكرة ابتعدت عنه أكثر مما ينبغي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com