الهوية المفقودة

ليست كل الأزمات تُقاس بعدد الخسائر، فبعض الفرق تخسر مباراة وتبقى كبيرة، وبعضها يحقق الانتصارات لكنه لا يعرف من يكون.
لفترة طويلة، لم تكن معضلة المنتخب في نقص المواهب، ولا في غياب الأسماء، بل في شيء أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا: الهوية.
فالهوية في كرة القدم ليست خطة 4-3-3 أو 3-5-2، وليست الاستحواذ أو الضغط العالي، بل هي الإجابة عن سؤال بسيط وعميق في آن واحد: من نحن داخل الملعب؟
عندما تغيب الإجابة، يصبح الفريق نسخة متغيرة في كل مباراة، يتأثر بالمنافس أكثر مما يؤثر فيه، وينشغل بردة الفعل بدل صناعة الفعل. وحينها، تتحول المباريات إلى محاولات متفرقة، والنتائج إلى أحداث معزولة لا يجمعها مشروع واضح.
ولهذا، لم يكن أكثر ما افتقده المنتخب في السنوات الماضية هو الفوز، بل الشعور باليقين. ذلك اليقين الذي يجعل اللاعب يعرف دوره، والجمهور يعرف شخصية فريقه، والمنافس يدرك مسبقًا أنه سيواجه منتخبًا يملك فكرة واضحة، حتى وإن اختلفت التفاصيل.
وفي أول مباراتين تحت القيادة الجديدة، ظهرت مؤشرات ربما تكون أهم من النتيجة نفسها. لم يكن المشهد مثاليًا، لكنه حمل ملامح فريق بدأ يعرف ماذا يريد. ففي مباراة كان الاستحواذ وتنوع الحلول الهجومية هو الخيار الأنسب، وفي أخرى كان الضغط العالي وإغلاق المساحات هو السلاح الأكثر فاعلية.
وهنا يكمن الفارق بين تغيير الأسلوب وتغيير الهوية. فالهوية ليست الجمود على طريقة واحدة، بل الثبات على الفكرة، مع امتلاك المرونة الكافية للتكيف مع الظروف المختلفة.
والأهم من كل ذلك، أن العلاقة بين المدرب واللاعبين بدت أكثر انسجامًا. فالأفكار لا تنجح بقوة المدرب وحده، بل بمدى إيمان اللاعبين بها. وعندما يقتنع اللاعب بما يطلب منه، تتحول التعليمات إلى سلوك، ويتحول التكتيك إلى شخصية.
ربما لا تكفي مباراتان للحكم على مشروع كامل، لكنهما تكفيان لاكتشاف البدايات. والبدايات الجيدة لا تعد بالنجاح، لكنها تمنح الأمل.
فالمنتخبات لا تُبنى بالنتائج وحدها، لأن النتائج قد تأتي وتذهب، أما الهوية، فهي الشيء الوحيد الذي إذا عاد، عاد معه كل شيء.
ولعل أجمل ما يمكن قوله اليوم، أن المنتخب لم يعثر على الانتصارات بعد بقدر ما بدأ يعثر على نفسه.
أرى أن الجملة الأخيرة: «المنتخب لم يعثر على الانتصارات بعد بقدر ما بدأ يعثر على نفسه» تصلح أن تكون خاتمة قوية ومختلفة.



