مقالات رأي

سامر الشاماني يكتب:” دعني أحدث العقلاء”

 

 

تخيل أن تتحول لعبة وُجدت من أجل الترفيه وبث الروح الإيجابية، إلى ساحة حرب كلامية تمزق الروابط الاجتماعية، وتتحول من مجرد انتقاد فني إلى هجوم شخصي شرس، هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه الشارع الرياضي اليوم، حيث تجاوز التعصب حدود التنافس الشريف، ليصبح ظاهرة تؤرق العقلاء والمنصفين.ولم يعد التعصب مجرد انفعال لحظي ينتهي بصفارة الحكم، بل تحول إلى سلوك يومي مغذى بأدوات رقمية وإعلامية، حيث تمنح منصات التواصل الاجتماعي الأولوية للمحتوى الأكثر صراخاً وإثارة للجدل، مما يدفع الخطاب المتزن إلى الهامش، بالتزامن مع تحول بعض الإعلاميين والمؤثرين إلى صناع احتقان يبحثون عن المشاهدات والأرباح والمتابعين عبر شحن الجماهير وتزييف الحقائق.لكن الأزمة الحقيقية والأعمق لا تقف عند حدود وسائل الإعلام، بل تكمن في عقول المشجعين أنفسهم وما أصابها من تحول مخيف، فقد تسلل هذا التعصب ليعيد صياغة تفاصيل حياتهم اليومية، محولاً إياها إلى دوامة من الجدل المستمر والمشاكل التي لا تتوقف، حيث ربط المشجعون واقع حياتهم، واستقرارهم النفسي، وعلاقاتهم الاجتماعية بواقع الرياضة وميولهم نحو أنديتهم، وأصبح انتصار الفريق هو معيار السعادة الأوحد، وخسارته كابوساً يولد لغة هجومية وعدائية تمتد لتفسد الود مع الأصدقاء والأقارب في المجالس والبيوت.هذا الشحن المستمر لا يتوقف عند حدود الشاشات، بل يدفع المجتمع ثمنه من استقراره وسكينته، مما يسبب قطيعة بين الأصدقاء، ومشاحنات داخل البيت الواحد بسبب نتيجة مباراة أو لقطة تحكيمية، كما أن اندفاع المشجعين في السب والقذف والتشهير يوقعهم تحت طائلة العقوبات القانونية الصارمة، ليدمروا مستقبلهم من أجل لقطة عابرة، وفي وقت تعيش فيه الرياضة السعودية قفزات تاريخية، يأتي التعصب ليشوه هذه الصورة ويحرم الجماهير من الاستمتاع بالقيمة الفنية الحقيقية للمشهد.والرهان اليوم يقع كاملاً على عاتق العقلاء والمنصفين لإعادة بوصلة الرياضة إلى مسارها الصحيح، حيث تبدأ إماتة التعصب بمقاطعة منابره، وعدم منح الحسابات المشجعة على الاحتقان أي تفاعل أو إعادة نشر، والارتقاء بلغة الحوار عبر حصر النقاش في الجوانب الفنية والتكتيكية داخل المستطيل الأخضر، والابتعاد عن التخوين والتشكيك في الذمم، مع تفعيل الحزم القانوني ونشر الوعي بأن الكلمة خلف الشاشة لها ثمن باهظ، فالرياضة منافسة شريفة، تنتهي بمصافحة داخل الملعب، ويجب أن تنتهي بابتسامة خارجه، وقد حان الوقت ليقود العقلاء المشهد، ويسحبوا البساط من تحت أقدام من يقتاتون على إشعال الفتن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com