أنور كوثراني يكتب:”كأس العالم الخفي: البطولة التي صنعتها الهجرة”

كل أربع سنوات، يُقدَّم كأس العالم لكرة القدم بوصفه المنافسة الكبرى بين الأمم. ترتفع الأعلام، وتصدح الأناشيد الوطنية في الملاعب المكتظة، ويقف مليارات المشجعين خلف ألوان أوطانهم. غير أن وراء هذا المشهد المألوف بطولة أخرى بدأت قبل عقود طويلة من صافرة البداية، بل إن ملامحها رُسمت قبل أن تُركل الكرة الأولى
إنها بطولة بلا تصفيات، ولا دور مجموعات، ولا مباراة نهائية. لا تُحسم بالاستحواذ، أو الخطط التكتيكية، أو مهارات المدربين، بل تصنعها الهجرة، وتشكلها العائلات، وتنسجها الهوية، ويكتب التاريخ فصولها. إنها “كأس العالم الخفي”
ولفهم كأس العالم الحديث، لم يعد كافياً تحليل الخطط الفنية أو أساليب اللعب، بل بات من الضروري تتبع رحلات العائلات، وحركة البشر، والجسور غير المرئية التي تربط القارات بعضها ببعض. فبطولة كأس العالم لم تعد مجرد خريطة للدول، بل أصبحت خريطة للإنسانية
تكشف الأرقام حقيقة لافتة. فحوالي 23% من لاعبي كأس العالم 2026 يمثلون دولاً غير تلك التي وُلدوا فيها، أي إن لاعباً واحداً تقريباً من كل أربعة يحمل في قصته الشخصية أكثر من وطن. والأكثر إثارة أن فرنسا أنجبت 99 لاعباً مشاركاً في البطولة، وهو أكبر عدد بين جميع الدول، لكن 23 منهم فقط يمثلون المنتخب الفرنسي، بينما يرتدي البقية قمصان منتخبات تمتد من المغرب والجزائر وتونس إلى السنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج وغيرها
هذه ليست مجرد أرقام رياضية، بل دليل واضح على أن الهجرة أصبحت إحدى أهم القوى التي أعادت تشكيل كرة القدم الدولية
ولا يجسد هذه الحقيقة أكثر من كيليان مبابي، المولود في باريس لأب كاميروني وأم جزائرية، ليصبح رمزاً لكرة القدم الفرنسية، وفي الوقت نفسه مرآة لقارتين وثلاث هويات. وإلى جانبه يقف إدواردو كامافينغا، الذي وُلد في مخيم للاجئين في أنغولا لوالدين من جمهورية الكونغو الديمقراطية قبل أن ينتقل طفلاً إلى فرنسا، وأوريلين تشواميني المنحدر من أصول كاميرونية، وجول كوندي الذي تعود جذوره إلى بنين
وهكذا، لم تعد فرنسا مجرد دولة تُخرّج لاعبين مميزين، بل أصبحت نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا
وتروي إنجلترا قصة مشابهة. فبوكايو ساكا، المولود في لندن لأبوين نيجيريين، أصبح أحد أبرز نجوم المنتخب الإنجليزي، بينما يحمل كوبي ماينو جذوراً غانية، وينحدر كل من إيبيريتشي إيزي ونوني مادويكي من أصول نيجيرية، أما مارك غويهي فقد وُلد في ساحل العاج قبل أن يصبح لاعباً دولياً مع إنجلترا
لقد تحولت الأكاديميات الإنجليزية إلى فضاءات تلتقي فيها الجذور الإفريقية مع التعليم الكروي الأوروبي
ولعل هولندا تقدم أوضح صورة لهذه الجغرافيا الخفية لكرة القدم. فعلى مدى عقود، أثرت أجيال من العائلات القادمة من سورينام، وكوراساو، وأروبا، وإندونيسيا، في هوية الكرة الهولندية. يحمل فيرجيل فان دايك أصولاً سورينامية، كما تنحدر جذور كل من ريان غرافنبرخ وتشافي سيمونز من سورينام، بينما يمتلك ممفيس ديباي جذوراً غانية، وينتمي جيريمي فريمبونغ إلى عائلة غانية قبل أن يصنع اسمه في الأكاديميات الهولندية
إن الأسلوب الهولندي الشهير لم يتشكل في أوروبا وحدها، بل ساهمت في بنائه منطقة الكاريبي، وأمريكا الجنوبية، وإفريقيا.
إذا كانت إفريقيا هي المستفيد الأكبر من عالم كرة القدم القائم على الهجرة والهوية المزدوجة، فإن منطقة الكاريبي تمثل المفاجأة الأكبر. فهذه الجزر الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكان بعضها مئات الآلاف، تركت بصمة هائلة في كرة القدم العالمية من خلال أبنائها الذين نشأوا في أوروبا. لقد هاجرت العائلات، لا اللاعبون، لكن أبناءها وأحفادها التحقوا بأفضل الأكاديميات في هولندا وإنجلترا وفرنسا، ليصبحوا نجوماً في أكبر الأندية والمنتخبات الأوروبية
وتُعد سورينام المثال الأبرز على ذلك. فهذه الدولة الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 650 ألف نسمة، كان بإمكانها، لو لعب جميع أصحاب الأصول السورينامية لمنتخبها، أن تضم أسماء بحجم فيرجيل فان دايك، وريان غرافنبرخ، وتشافي سيمونز، وجستن كلويفرت، وغيرهم من النجوم الذين تخرجوا من المدرسة الهولندية
أما كوراساو، فقد قدمت نموذجاً عملياً لما يمكن أن تصنعه الجاليات، إذ اعتمد منتخبها إلى حد كبير على لاعبين وُلدوا وتطوروا في هولندا، لكنهم اختاروا تمثيل وطن آبائهم وأجدادهم. كما أن أروبا، وجامايكا، وترينيداد وتوباغو، وغوادلوب، ومارتينيك، تمتلك جميعها امتداداً بشرياً داخل أوروبا يجعل تأثيرها في كرة القدم أكبر بكثير من حجمها الجغرافي
غير أن الدولة التي نجحت في تحويل هذا الامتداد البشري إلى مشروع وطني متكامل كانت المغرب. فقد أدرك الاتحاد المغربي لكرة القدم مبكراً أن مستقبل المنتخب لا يقتصر على اللاعبين داخل حدود المملكة، بل يمتد إلى ملايين المغاربة المنتشرين في أوروبا
وهكذا أصبح أشرف حكيمي، المولود في إسبانيا، وحكيم زياش، ونصير مزراوي، وسفيان أمرابط، المولودون في هولندا، وسفيان بوفال، المولود في فرنسا، جزءاً من مشروع رياضي أعاد تعريف معنى المنتخب الوطني
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 70% من لاعبي المنتخب المغربي في البطولات الأخيرة وُلدوا خارج المغرب، ومع ذلك اختاروا تمثيل وطنهم الأم، ليؤكدوا أن الهوية ليست مكان الميلاد فحسب، بل أيضاً الذاكرة، والانتماء، والثقافة
وتنطبق الصورة نفسها، بدرجات متفاوتة، على جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي اعتمدت بصورة متزايدة على لاعبين نشأوا في بلجيكا وفرنسا، كما استفادت نيجيريا، وغانا، والجزائر، والكاميرون، من أجيال كاملة تلقت تكوينها في الأكاديميات الأوروبية
لقد أصبحت أوروبا، دون أن تقصد، أكبر مدرسة لتخريج لاعبي المنتخبات الإفريقية
لكن هذا يقودنا إلى سؤال مهم، إذا كانت الهجرة قد غيرت وجه كرة القدم الإفريقية والكاريبية بهذا الشكل، فلماذا لم يحدث الأمر نفسه في آسيا، أو دول الخليج، أو الصين، أو أستراليا؟
تكمن الإجابة في التاريخ أكثر منها في الموهبة. فالدول الأوروبية التي استفادت من هذه الظاهرة ترتبط بإفريقيا والكاريبي بعلاقات تعود إلى عقود طويلة من الهجرة، والاستعمار، والعمل، والتعليم، ولمّ شمل العائلات
ففرنسا ترتبط بغرب وشمال إفريقيا، وهولندا بسورينام، وكوراساو، وأروبا، والبرتغال بأنغولا، والرأس الأخضر، وغينيا بيساو، وبلجيكا بجمهورية الكونغو الديمقراطية، بينما ترتبط إنجلترا بصورة متزايدة بنيجيريا، وغانا، وجامايكا
هذه الممرات البشرية أنتجت أجيالاً كاملة من اللاعبين الذين نشأوا في أوروبا، لكنهم ظلوا يحملون جذور أوطانهم الأصلية
كأس العالم الخفي: البطولة التي صنعتها الهجرة ختام الجزء الثاني
أما آسيا، فقد سلكت مساراً مختلفاً. فالصين، رغم امتلاكها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، لم تبنِ شبكة من الأكاديميات الأوروبية عبر جالياتها كما حدث مع إفريقيا. فقد ارتبطت هجرة الصينيين بالتجارة، والأعمال، والتعليم، أكثر من ارتباطها بكرة القدم، ولذلك لم تُنتج جيلاً واسعاً من اللاعبين القادرين على تمثيل الصين بعد تكوينهم في أوروبا
وسارت اليابان وكوريا الجنوبية في طريق مختلف تماماً، إذ اعتمدتا على تطوير البطولات المحلية، والاستثمار في المدربين، وبناء أكاديميات وطنية قوية، ثم تصدير اللاعبين إلى أوروبا بعد اكتمال تكوينهم. ولذلك ظل معظم نجومهما يمثلون منتخبي بلديهما، لأن نجاحهما جاء من الداخل، لا من الجاليات المنتشرة في الخارج
أما دول الخليج العربي، مثل السعودية، وقطر، والإمارات، والكويت، فقد امتلكت الموارد المالية، لكنها لم تعرف موجات هجرة واسعة إلى أوروبا أنتجت أجيالاً من اللاعبين مزدوجي الجنسية. ولذلك ركزت على تطوير الدوريات المحلية، واستقطاب النجوم العالميين، بدلاً من الاعتماد على قوة الجاليات كما فعلت المغرب أو نيجيريا
وتقدم أستراليا نموذجاً مختلفاً أيضاً. فهي واحدة من أكثر دول العالم تنوعاً ثقافياً، لكن موجات الهجرة إليها جاءت من عشرات الدول المختلفة، ولم ترتبط بممر كروي واحد كما هو الحال بين باريس وإفريقيا، أو أمستردام وسورينام. ولهذا لم تتشكل لديها ظاهرة كروية مشابهة
وفي المقابل، تقدم البرازيل والأرجنتين نموذجاً مغايراً تماماً. فهاتان الدولتان تصدران أفضل لاعبيهما إلى أقوى الأندية الأوروبية، لكنهما نادراً ما تخسرانهم على مستوى المنتخبات الوطنية. فالنجم البرازيلي أو الأرجنتيني قد يصنع مجده في مدريد أو مانشستر أو ميلانو، لكنه يبقى وفياً لقميص بلاده
وهنا يكمن الفرق الجوهري، أوروبا تُصدّر لاعبي المنتخبات إلى العالم، بينما تُصدّر أمريكا الجنوبية اللاعبين المحترفين دون أن تفقد هويتها الكروية
ولعل أعظم ما يكشفه هذا التحليل أن كرة القدم أصبحت مرآة للعالم الحديث. فالحدود السياسية قد تفصل بين الدول، لكنها لا تستطيع أن تفصل بين العائلات، ولا بين الذكريات، ولا بين الهويات المتعددة التي يحملها ملايين البشر. فكل لاعب يدخل أرض الملعب يحمل في داخله أكثر من وطن، وأكثر من ثقافة، وأكثر من قصة
وعندما يرفع منتخب ما كأس العالم، فإن المنتصر الحقيقي لا يكون ذلك المنتخب وحده، بل أيضاً الرحلات الإنسانية التي أوصلت أبناء المهاجرين إلى أكبر مسرح رياضي في العالم. لقد أصبحت كرة القدم اللغة التي تروي قصص الأمل، والاندماج، والانتماء، والنجاح عبر الأجيال
وربما تكون أعظم مفارقة في كأس العالم 2026 أن البطولة لم تعد مجرد منافسة بين ثمانية وأربعين منتخباً، بل أصبحت منافسة بين ثمانية وأربعين قصة إنسانية. فكل هدف يحمل تاريخ عائلة، وكل تمريرة تختصر رحلة عبر القارات، وكل قميص يخفي وراءه علماً آخر لا يظهر على الشاشة، لكنه لا يغيب أبداً عن ذاكرة اللاعب
وفي النهاية، قد يتذكر التاريخ المنتخب الذي رفع الكأس، لكنه ينبغي أيضاً أن يتذكر الحقيقة الأعمق التي كشفتها هذه البطولة، وهي أن كرة القدم لم تعد تُبنى فقط بالأهداف، والخطط، والألقاب، بل أيضاً بالأسر التي عبرت الحدود، وبالأجيال التي صنعت جسوراً بين القارات، وبالهوية التي أثبتت أن الإنسان يستطيع أن ينتمي إلى أكثر من مكان، دون أن يفقد انتماءه لأيٍ منها
إن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة للأمم، بل أصبح أجمل خريطة رسمتها الإنسانية لحركتها عبر العالم



