تحت مجهر «المادة 270».. حين تفرض الحوكمة كلمتها

تنساب في أروقة الشارع الرياضي بين الحين والآخر أنباء مالية تثير الجدل وتستدعي التوقف، وكان آخرها ما تداولته الأخبار الصحفية حول تراكم ديون على نادي النصر تجاوزت حاجز الـ 800 مليون ريال، جراء قرارات تنفيذية متراكمة وتواصُل التزامات الصفقات السابقة دون تغطية مالية كافية . ومع صخب الحديث عن التدخل الرقابي لحماية الاستدامة المالية للأندية وتحويلها إلى شركات، يتجلى البعد القانوني كركيزة أساسية لا محيد عنها لتفسير ما يحدث خلف الكواليس.
إن بداية الخلاص من هذه الأزمة ليست برفع الشعارات، ولا بكثرة الكلام والتراشق الإعلامي، بل تبدأ بالمطالبة الصريحة بتطبيق أدوات الحوكمة والمساءلة النظامية.
المادة (270) ووزارة التجارة: المظلة والجهة المختصة
تُشكل المادة (270) من نظام الشركات السعودي (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/132) الذراع الرقابية المباشرة للتحقق من سلامة الموقف المالي والإداري. والجهة المختصة هنا وفق المادة (1) من نظام الشركات هي وزارة التجارة، التي يقع على عاتقها الإشراف والرقابة والتأكد من تطبيق أحكام النظام.
وتنص المادة (270) بوضوح على:
«للجهة المُختصّة حق الرقابة على الشركات فيما يتعلّق بتطبيق الأحكام المنصوص عليها في النظام، وفي عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس، بما في ذلك صلاحيّة التفتيش على الشركة، وفحص حساباتها، وطلب ما تراه من بيانات وسجلات ووثائق ومحاضر من مُديري الشركة أو مجلس إدارتها أو الإدارة التنفيذيّة وذلك بوساطة مندوب أو أكثر من منسوبيها أو من خبراء تختارهم لهذا الغرض، ولها كذلك وفق تقديرها أن توفد مندوبًا أو أكثر بوصفه مُراقبًا لحضور الجمعيات العامّة للشركات، للتأكد من تطبيق أحكام النظام
أبعاد التدخل النظامي: من التفتيش إلى الجمعيات العمومية
يقدم هذا النص القانوني خريطة طريق واضحة لكيفية التعامل مع التضخم المالي والأزمات التنفيذية داخل شركة نادي النصر:
* فحص الحسابات والسجلات: منح وزارة التجارة صلاحية التفتيش الدقيق على الدفاتر المالية والتعاقدات للتأكد من قانونية الصرف، ومدى مطابقة القرارات المتخذة مع الصلاحيات الممنوحة للإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة.
* محاضر الاجتماعات والبيانات: الاطلاع على آلية اتخاذ القرار داخل أروقة المجلس، للوقوف على مكامن الخلل التي أدت لتراكم ديون بهذا الحجم
* الاستعانة بالخبراء: إيفاد مراقبين أو خبراء ماليين ونظاميين لتشريح الوضع المالي وتقديم تقييم محايد ودقيق.
* حضور الجمعيات العمومية: ضمان ألا تُمرر التقارير المالية أو إبراءات الذمة بشكل صوري، بل تحت رقابة مباشرة من مندوبي وزارة التجارة للتحقق من التزام الشركة بكافة أحكام النظام.
من الهواية إلى التخصيص: المساءلة هي الطريق الوحيد
إن الأنباء المتعلقة بتضخم الديون والالتزامات المترتبة على الأخطاء التنفيذية ليست مجرد أزمة مالية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لمدى نجاح التحول المؤسسي في الرياضة السعودية. فالأندية اليوم شركات تجارية كاملة الأهلية، والمساس باستقرارها المالي يمس البيئة الاستثمارية للرياضة ككل.
إن الهدف من تفعيل المادة (270) وتدخل وزارة التجارة ليس التعطيل، بل تصحيح المسار، وتحديد المسؤوليات بشفافية، وضمان الاستدامة المالية التي يحتاجها كيان كبير بحجم نادي النصر ليظل منافساً على كافة الأصعدة.
الحوكمة لا تُبنى بالوعود، بل بالنصوص القانونية والرقابة الفاعلة.. وتبقى المادة (270) هي الضامنة لرؤية عمل مؤسسي يسود فيه النظام وتقوم عليه المساءلة.



