نبيله السهلي تكتب:” اغتيل الورق.. فوُلد القلم”

اغتيال على ورق.. وقوة الانبعاث
في عتمة الحكايات المسكوت عنها، تُرتكب أحياناً في حق الطفولة جناياتٌ مستترة تحت عباءة “التربية” أو “الخوف على السمعة”. جناياتٌ لا تُسيل الدماء على الأرض، بل تُسيلها في أعماق الروح، لتترك جراحاً لا تندمل بسهولة.
تخيل طفلاً يغزل شجنه وفقدانه على هيئة قصيدة صغيرة، يخبئها بين طيات أغراضه كسرٍّ مقدس، ليتفاجأ بيومه يشتعل محاكمةً عائلية قاسية. تُرفع الحبال، وتتطاير التهديدات بالدفن والعار، لا لشيء سوى أن ذاك الغضّ جرؤ على التعبير عن وجعه. وفي لحظة انكسار مريرة، يُجبر على تمزيق دفتره بيديه المرتجفتين ليشتري حق الحياة والتنفس. كان تمزيق الورق آنذاك هو ثمن النجاة، لكن الفأس التي قطعت الدفتر تركت نديماً من الخوف يعشش في الحنايا عقوداً.
غير أن المفارقة الأعظم تتجلى في سنن الحياة؛ فقد يُغتال الورق في لحظة طغيان، لكنه أبداً لا يكسر ريشة الإبداع. يختبئ النور زامناً، ثم يعود القلم وينبعث أقوى مما كان، ليزهر ويصبح علماً يُشار إليه بالبنان، ويتجاوز حدوده ليلامس الأرواح. وحين يصل ذلك القلم إلى القمة، تجد من مارسوا اغتياله بالأمس هم أول من يتباهون ويتفاخرون بنجاحه اليوم، في تناقض يدعو للأسف؛ إذ ينسبون لأنفسهم فخراً لم يغرسوا فيه بذره، ولم يقدموا له يوماً قطرة دعم واحدة.
إن الشغف الإنساني وحس التعبير ليسا تمارداً يستوجب السحق، ولا عاراً يُتوارى منه؛ بل هما أرفع صور النقاء الذهني. وحين تُقابل الموهبة في مهدها بالترهيب، فإننا لا نربي أبناءً، بل نصنع أجساداً مشلولة الفكر، خائفة من صوتها الذاتي.
كيف نتجاوز هذا العنف الرمزي؟
إعادة تعريف مفهوم “الأمان الأسري”: الأسرة الحقيقية هي التي تستوعب مشاعر أبنائها ولا تجرمها، ومبنية على الحوار والاستماع وليس الإرهاب النفسي.
تحويل التجربة إلى رسالة احتضان: التعافي يبدأ من استبدال أدوات السحق بأدوات البناء؛ بأن نكون نحن السند الذي فقدناه، ونمنح الصغار والمهمشين المساحة الآمنة ليعبروا عن ذواتهم.
الإيمان بأن الصوت الصادق لا يموت: انتصار القلم وانبعاثه من تحت ركام الترهيب ليصنع علماً وأثراً هو التجاوز الحقيقي والإجابة الشافية بوجه كل من حاولوا يوماً خنق الكلمة.
قد تنجح الأيدي القاسية في تمزيق دفتر طفل، لكنها أبداً لن تملك القدرة على محو نبع الإبداع الذي أودعه الله في روحه.



