عبدالله العبيدي يكتب:” أعطِ الخبز خبازه.. وصناعة اللاعب استثمار”

«أعطِ الخبز خبازه ولو أكل نصفه» مثلٌ شعبي يحمل معنى بسيطًا وعميقًا في الوقت نفسه: ضع العمل في يد من يعرفه، واترك لأهل الخبرة مساحة صناعة القرار.
وفي الرياضة تحديدًا، تبدو هذه القاعدة أكثر أهمية؛ لأن نجاح النادي يرتبط بالموهبة داخل الملعب، وبالعقل الذي يدير هذه الموهبة خارجه.
المشهد الرياضي اليوم يحتاج إلى إدارة تعرف قيمة الخبرة، وتفهم تفاصيل اللعبة، وتقرأ احتياجات الفريق، وتعرف كيف توظف الإمكانات المتاحة بالشكل الصحيح. فالإدارة الرياضية أصبحت علمًا قائمًا على التخطيط والاستثمار وصناعة القرار، وأصبح نجاحها ينعكس مباشرة على مستوى الفرق واستقرارها ومستقبلها.
مشكلتنا في كثير من الأحيان تبدأ من العقول التي تدير الألعاب قبل أن تبدأ من الألعاب نفسها.
خذ مثالًا بسيطًا من حياتنا اليومية: شخص دخله 3000 ريال شهريًا، بينما تتجاوز التزاماته هذا المبلغ. هنا تظهر قيمة الإدارة؛ كيف يرتب أولوياته؟ وكيف يوزع دخله؟ وكيف يصنع توازنًا بين احتياجاته وإمكاناته؟
النادي يعيش المعادلة نفسها، ولكن بأرقام أكبر ومسؤوليات أوسع.
لدينا ميزانية، ومنشآت، ولاعبون، وأجهزة فنية، وجماهير، ومواهب، وعلاقات وشراكات. وكل عنصر من هذه العناصر يمثل موردًا يمكن إدارته واستثماره. وهنا تظهر قيمة الإدارة المتخصصة التي تعرف كيف تحول الموارد إلى نتائج، والمواهب إلى أصول، والفرص إلى عوائد.
ومن هذا المنطلق، أرى أن أندية محافظة القطيف أمام فرصة تستحق التفكير الجاد.
لماذا لا ننتقل من فكرة أن كل نادٍ يعمل في الاتجاه نفسه إلى مفهوم التخصص والتكامل؟
يمكن أن تتجه مجموعة من الأندية إلى الاستثمار في الأكاديميات واكتشاف المواهب وصناعة اللاعبين. تبدأ رحلة اللاعب منذ الصغر، ثم يتلقى التدريب والتطوير وفق برامج متخصصة، وعندما يصل إلى المستوى المناسب، يصبح لاعبًا قابلًا للتسويق والانتقال إلى أندية أخرى.
هنا تتحول الأكاديمية من مجرد نشاط رياضي إلى مشروع استثماري حقيقي.
النادي الذي يصنع اللاعب يستطيع أن يستفيد من موهبته، واللاعب يحصل على فرصة أكبر للوصول إلى مستويات أعلى، والنادي الذي يحتاج إلى لاعب جاهز يجد أمامه منتجًا رياضيًا محليًا تم تطويره وفق أسس احترافية.
وفي المقابل، يمكن لأندية أخرى أن تتخصص في التسويق والاستثمار الرياضي، وتعمل على صناعة الشراكات واستقطاب الرعاة وتطوير العلامة التجارية والاستفادة من القاعدة الجماهيرية.
وقد يتخصص نادٍ آخر في المنافسة وصناعة الفرق، مستفيدًا من اللاعبين الذين تنتجهم أكاديميات الأندية الأخرى.
بهذا الشكل يصبح لدينا تكامل بين الأندية بدلًا من تشابه الأدوار.
وهذه الفكرة تحتاج إلى عقلية مختلفة في التعامل مع الرياضة. فالخصخصة ليست مجرد انتقال ملكية أو دخول مستثمر، بل هي منظومة تبدأ من الإدارة، ومن القدرة على معرفة قيمة كل مورد يمتلكه النادي وكيفية استثماره.
واللاعب أحد أهم هذه الموارد.
صناعة اللاعب تحتاج إلى سنوات من العمل والتدريب والرعاية والتطوير، ولذلك من الطبيعي أن تكون له قيمة اقتصادية عندما يصل إلى المستوى الذي يؤهله للاحتراف. والأندية التي تستثمر في اللاعب منذ الصغر تستطيع أن تجعل من الأكاديميات أحد مصادر الدخل المستدامة.
لدينا في القطيف بيئة رياضية غنية بالمواهب والتاريخ والشغف. وما تحتاجه هذه البيئة هو تنظيم الجهود، وتحديد الأدوار، ومنح أصحاب الاختصاص مساحة حقيقية للعمل.
أعطِ الخبز خبازه.
أعطِ الإدارة لأهل الإدارة، والعمل الفني لأهل الاختصاص، واكتشاف المواهب لمن يمتلك عينًا تعرف قيمة الموهبة، والتسويق لمن يجيد صناعة الفرص.
المرحلة القادمة تحتاج إلى إداري يفهم الأرقام، وفني يفهم الملعب، ومستثمر يفهم السوق، ومنظومة تعرف كيف تجمع هؤلاء في اتجاه واحد.
الرياضة اليوم صناعة، واللاعب منتج، والأكاديمية استثمار، والإدارة عقل هذه المنظومة.
وربما تكون أندية القطيف قادرة على تقديم نموذج يحتذى به إذا امتلكت الشجاعة لتجربة مفهوم جديد يقوم على التخصص، والتعاون، وصناعة اللاعب، وتسويق الموهبة.
عندها يمكن أن يتحول اللاعب من مجرد موهبة تنتظر فرصتها إلى مشروع يبدأ صغيرًا، يتطور داخل الأكاديمية، ثم يصل إلى الاحتراف، ويحقق العائد للاعب ولناديه وللمنظومة الرياضية كاملة.
الموهبة موجودة.. والفرصة موجودة.. ويبقى أن نضع الخبز في يد خبازه.



