حين يصنع «المنقذ الوطني» الفارق.. كيف قادت الحنكة الإدارية الأخضر إلى أمجاد كأس الخليج؟

الدمام – عبدالله العبيدي
منذ انطلاق كأس الخليج العربي عام 1970، احتلت القرارات الفنية موقعًا مؤثرًا في مسيرة البطولة، التي فرضت على المنتخبات الخليجية التعامل مع منافسة قصيرة ومتقاربة المستويات، يكون فيها لاختيار المدرب وتوقيت التغيير وحسن إدارة المجموعة أثر مباشر في النتائج.
وعلى امتداد تاريخ البطولة، برزت تجارب تدريبية ارتبطت بالألقاب واللحظات الحاسمة، وكان للمدرب الوطني السعودي حضوره في محطات بارزة، خصوصًا مع محمد الخراشي في «خليجي 12» عام 1994، وناصر الجوهر في «خليجي 15» عام 2002.
ومع اقتراب استضافة جدة للنسخة السابعة والعشرين من البطولة، خلال الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، تعود الذاكرة إلى محطات صنعت تاريخ «الأخضر» الخليجي، وتكشف كيف أسهمت القرارات الإدارية والفنية في الوصول إلى منصة التتويج.
*الخراشي.. لحظة التحول*
تظل «خليجي 12» في الإمارات عام 1994 إحدى أهم المحطات في تاريخ المنتخب السعودي، بعدما نجح «الأخضر» في حصد لقبه الخليجي الأول بعد سنوات من المشاركة.
وتولى المدرب الوطني محمد الخراشي قيادة المنتخب خلال تلك المرحلة، بعد إقالة البرازيلي كاندينو في تصفيات كأس العالم 1994، ونجح في قيادة السعودية إلى التأهل للمونديال للمرة الأولى في تاريخها، قبل أن يواصل العمل مع المنتخب في النهائيات الأمريكية ضمن الجهاز الفني بقيادة الأرجنتيني خورخي سولاري. وفي العام نفسه، عاد الخراشي لقيادة «الأخضر» في كأس الخليج، ليحقق المنتخب اللقب الأول في تاريخه.
وجاء التتويج في الإمارات بعد أربعة انتصارات على عُمان والبحرين وقطر والكويت، مقابل تعادل مع المنتخب الإماراتي، ليحصد المنتخب السعودي اللقب من دون خسارة. وكان ذلك الإنجاز الأول من نوعه للسعودية في البطولة بعد 12 مشاركة.
وحمل الإنجاز دلالة فنية وإدارية مهمة؛ فالخراشي عرف المجموعة عن قرب، وكان جزءًا من رحلة التأهل إلى كأس العالم، ثم وجد نفسه أمام مهمة جديدة في بطولة خليجية تتطلب قراءة دقيقة للخصوم وإدارة متوازنة للاعبين.
*الجوهر.. حين تأتي الثقة في وقتها*
بعد ثمانية أعوام، عاد المدرب الوطني ليقود السعودية إلى اللقب الخليجي الثاني.
ففي «خليجي 15» التي استضافتها الرياض عام 2002، تولى ناصر الجوهر قيادة المنتخب، ونجح في إدارة البطولة حتى التتويج. بدأ «الأخضر» مشواره بالتعادل مع الكويت، ثم حقق أربعة انتصارات متتالية على البحرين والإمارات وعُمان وقطر، ليحسم اللقب أمام جماهيره.
وكان الجوهر قد اكتسب قبل البطولة خبرة واسعة مع المنتخب، خصوصًا في المواقف التي احتاجت إلى تغيير فني وإعادة ترتيب للأوراق. وتظهر السجلات الصحفية لتلك المرحلة أنه تولى المهمة في ظروف صعبة، ثم قاد المنتخب إلى سلسلة نتائج إيجابية في التصفيات، قبل أن يواصل المهمة في «خليجي 15» ويحقق اللقب.
وهنا تتضح قيمة القرار الإداري في منح المدرب الوطني الثقة عندما يمتلك معرفة كافية بالمجموعة والبيئة الكروية، وهو ما جعل تجربة الجوهر واحدة من أبرز تجارب المدرب السعودي في تاريخ البطولة.
*اللقب الثالث.. المدرسة الأجنبية تكمل المشهد*
حافظ المنتخب السعودي على حضوره في دائرة المنافسة، وجاء اللقب الخليجي الثالث في «خليجي 16» بالكويت.
وأقيمت البطولة بين 26 ديسمبر 2003 و11 يناير 2004، وهي النسخة الأولى التي امتدت بين عامين ميلاديين. ونجح المنتخب السعودي في انتزاع اللقب بقيادة الهولندي جيرارد فاندرليم، ليصبح اللقب الثالث في سجل السعودية بالبطولة.
وتقدم هذه المحطة صورة أخرى في العلاقة بين الإدارة والمدرب؛ فبعد لقبين قادهما مدربان سعوديان، جاء اللقب الثالث مع مدرب أجنبي، بما يعكس تنوع الخيارات الفنية التي اعتمدتها الكرة السعودية في مراحل مختلفة.
وبذلك جاءت ألقاب السعودية الثلاثة في البطولة عبر مدرستين تدريبيتين: الوطنية مع الخراشي والجوهر، والأوروبية مع فاندرليم.
*مدربون صنعوا ذاكرة كأس الخليج*
تاريخ البطولة يقدم نماذج أخرى لمدربين ارتبطت أسماؤهم بالنجاح والاستمرارية.
ويبرز التشيكي ميلان ماتشالا كأحد أكثر الأسماء حضورًا في تاريخ كأس الخليج، بعدما قاد الكويت إلى لقبين متتاليين في «خليجي 13» عام 1996 و«خليجي 14» عام 1998. كما ارتبط اسمه لاحقًا بتجارب تدريبية أخرى في المنطقة، بينها تدريب المنتخب العماني.
وتؤكد تجربة ماتشالا أن الاستقرار الفني، ومعرفة طبيعة المنافسة الخليجية، والقدرة على بناء مجموعة متماسكة، كانت عوامل مؤثرة في صناعة الأبطال خلال مراحل مختلفة من تاريخ البطولة.
وفي الجانب العراقي، ارتبط اسم عمو بابا بتاريخ كأس الخليج من خلال إنجازاته مع المنتخب العراقي، فيما أسهمت المدارس البرازيلية والأوروبية في صناعة عدد من المحطات البارزة في تاريخ المسابقة.
*دكة البدلاء.. غرفة القرار*
تطور مفهوم العمل الفني في المنتخبات الخليجية مع مرور السنوات. وأصبحت مهمة المدرب ترتبط بمنظومة واسعة تشمل التحضير البدني، والتحليل الفني، ودراسة المنافسين، وإدارة الأحمال، والتعامل مع الحالة الذهنية للاعبين، إلى جانب القرارات التي تُتخذ أثناء المباريات.
وتفرض طبيعة كأس الخليج أهمية خاصة لهذه التفاصيل؛ فالفوارق الفنية بين المنتخبات غالبًا ما تكون محدودة، والمباريات تتوالى خلال فترة زمنية قصيرة، ولذلك يمكن لقرار تكتيكي أو تبديل موفق أو قراءة دقيقة لمباراة أن يؤثر في مسار البطولة.
وفي التجربة السعودية، يقدم الخراشي والجوهر نموذجين واضحين لدور المدرب الوطني في لحظات التتويج، فيما يقدم فاندرليم نموذجًا لنجاح المدرسة الأجنبية عندما يتوافق الاختيار الفني مع احتياجات المنتخب.
*جدة 2026.. صفحة جديدة*
تستعد جدة لاستضافة «خليجي 27» خلال الفترة من 23 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، في أول نسخة من البطولة تقام في المدينة، بمشاركة المنتخبات الخليجية الثمانية.
وأوقعت القرعة المنتخب السعودي في المجموعة الأولى إلى جانب العراق وعُمان والكويت، فيما ضمت المجموعة الثانية الإمارات وقطر والبحرين واليمن. وتقام منافسات البطولة على ملعبي مدينة الملك عبدالله الرياضية ومدينة الأمير عبدالله الفيصل الرياضية.
وتأتي النسخة الجديدة في مرحلة تشهد تطورًا متسارعًا في منظومة كرة القدم السعودية والخليجية، مع توسع الاهتمام بالتخطيط الفني والتحليل والأجهزة المساندة وتطوير الكفاءات الوطنية.
ويحمل تاريخ «الأخضر» في كأس الخليج درسًا واضحًا في أهمية القرار الفني. فمن الخراشي الذي قاد السعودية إلى لقبها الأول عام 1994، إلى الجوهر الذي أعاد الكأس إلى الرياض عام 2002، ثم فاندرليم الذي قاد المنتخب إلى اللقب الثالث في «خليجي 16» التي اختتمت مطلع 2004، تتشكل مسيرة سعودية تؤكد أن اختيار المدرب وتوقيت القرار والثقة في الكفاءة عوامل قادرة على صناعة الفارق.
وفي جدة، تبدأ صفحة جديدة من تاريخ البطولة، وتعود دكة البدلاء مرة أخرى إلى واجهة المشهد؛ حيث يمكن لقرار واحد، في التوقيت المناسب، أن يغيّر ملامح بطولة كاملة.



