نبيله السهلي تكتب:” الأمان بين الرنتين”

في لحظة زمنية خاطفة، ارتفع صوت رنة الخطر من أجهزتنا، ذلك التنبيه الجوي الطارئ بنغمته الحادة والمباغتة، الصوت الذي يصمم خصيصا ليكسر رتابة الطمأنينة ويصرخ في صمت الغرف: انتبه، ثمة خطر يلوح في الأفق. ثم لم تلبث أن تبعتها رنة زوال الخطر؛ النغمة الهادئة التي انسابت عبر الشاشات كبلسم يطمس حرارة الفزع، وتهمس للقلوب: اطمئنوا، لقد عبرت العاصفة.
بين هاتين الرنتين، لم نتحرك من أماكننا، ولم يتغير السقف الذي يظلنا ، لكن العالم الداخلي للإنسان انقلب رأسا على عقب.
تلك الرنة الأولى لم تكن مجرد إشارة تقنية لتنبيه الأرواح، بل كانت جرس استيقاظ لغفلة النعم. كنا نتقلب في دفء البيوت، نغرق في تفاصيل الحياة العادية، نحسب أن السكون حالة مجانية أبدية. فجاءت نغمة الإنذار لتكشف لنا هشاشة الإحساس الإنساني، وتجعلنا ندرك في ثوان معدودة أن الأمن ليس مجرد غياب للصوت، بل هو رداء إلهي خفي نرتديه كل يوم دون أن نشعر بثقله وقيمته إلا حين نهم بخلعه.
ثم جاءت الرنة الثانية، رنة البشرى وزوال الخطر، لتسجل لحظة العودة إلى العيش، ولكن بعيون جديدة. لم تكن مجرد إشعار بانتهاء التهديد، بل كانت شهادة ميلاد جديدة للشكر.
إن هاتين الرنتين تشبهان تماما طرقا مفاجئا على باب بيت آمن في منتصف الليل؛ لا ليدخل اللص، بل ليرتعد القاطنون لحظة، ثم يفتحوا الباب فيجدوا الحارس يبتسم ويبلغهم أن السور بخير. الرنة الأولى هي ذلك الطرق الذي أوجد في القلوب قيمة الدفء والملجأ، والرنة الثانية هي ابتسامة الحارس التي أرجعت الروح إلى جثامينها، لتدرك أن الخطر لم يمسها لأن هناك عينين لم تنما: عين الرعاية الإلهية أولا، وعيون حراس الوطن ثانيا.
إن الفضل في هذه اللحظات ليس في نجاة أبداننا فحسب، بل في نجاة أفكارنا من وهم الاعتياد. الأمان ليس حدثا عابرا، بل هو نهر متدفق من الرحمة نغرق فيه صباح مساء دون أن نلتفت لجرعته.
إن درس الرنتين أعظم من مجرد إنذار وزال؛ إنه تذكير بأننا نعيش في كنف نعم لو كشف عنا غطاؤها لخررنا سجدا لا نرفع رؤوسنا. فلتكن رنة الخطر تذكيراً بعجزنا، ولتكن رنة زوال الخطر ميثاقا جديدا مع الحمد. الحمد لله الذي يجعل تحت سقف هذا الوطن أمنا يتجدد، وبألطافه سبحانه سكينة لا تتبدد.



