مقالات رأي

نبيله السهلي تكتب:”فن التجاوز حين يُهزم الرهان”

 

في دراما العلاقات الإنسانية، ثمة لحظة فاصلة يتجلى فيها السقوط النفسي في أبهى صوره؛ تلك اللحظة التي يدرك فيها المرء أنه خسر كل رهاناته، ولم يعد أمامه سوى افتعال “المعارك الوهمية” ليصنع لنفسه خروجًا يتوهمه كريمًا.
عندما يفلس الإنسان معنويًا، ويتجرد من كل أدوات التأثير الحقيقي، يلجأ إلى سلوكيات طفولية تُعرف في علم النفس بـ “الإسقاط الدفاعي”. تجده يرفع شعارات الترفع والابتعاد عن “القيل والقال”، ويوزع اتهامات النفاق والكذب على المحيطين به، في محاولة يائسة لإقناع نفسه والآخرين بأنه هو من اختار الانسحاب، وليس هو من جُرّد من خياراته ورُفض تواجده.
المفارقة المضحكة في هذه الحالة، هي التناقض الصارخ بين القول والفعل:
التظاهر بالتجاهل: رفع شعارات التجاهل مع التعمد الدائم لفتح منافذ التواصل المقطوعة فقط لإيصال الرسالة! فالذي تجاوز حقيقةً لا يترك أثرًا، ولا يلهث خلف إثبات تجاوزها.
المراقبة الخفية: التحول إلى مشاهد صامت يحترق بغله خلف الشاشات، يتتبع نجاحات الآخرين واستقرارهم، ليتلقى في كل مشاهدة صفعة واقعية تذكره بمكانه الحقيقي.
إعادة صياغة الخسارة: محاولة تقليل قيمة ما يد الآخرين، لمجرد أنه عجز عن الوصول إليه أو الحفاظ عليه.
إن قوة العفيف والمستقر لا تكمن في الرد أو الانجرار لمهاترات الرخاص، بل تكمن في “العدمية”؛ أن تجعل الطرف الآخر يتخبط في وهمه، يرسل رسائله للعدم، وينفق ما تبقى من كرامته في سبيل الحصول على ردة فعل واحدة تمنحه قيمة لا يستحقها.
المنتصر الحقيقي في هذه المعادلة ليس من يكسب الجدال، بل من يظل ثابتًا في مقامه، يمارس تميزه وتألقه المعتاد، ويترك المهزوم يتخبط في حبائل شعاراته المفرغة، يعيش في صخب ما اخترعه، بينما الحياة تتجاوزه بدونه دون أن تلتفت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com