محمد الجوكر يكتب:” الخليج.. حكاية محبة لا تنتهي”

عندما نستعيد ذكريات كأس الخليج العربي لكرة القدم، فإننا لا نستحضر نتائج المباريات وأسماء الأبطال فحسب، بل نعود إلى صفحات مضيئة من تاريخ منطقتنا، حيث كانت الرياضة جسراً للتواصل، ووسيلة لتعزيز المحبة والتآخي بين أبناء الخليج، ومنبراً جسّد وحدة المشاعر والآمال، قبل أن تتسع آفاق التعاون في مختلف المجالات.
إنها حكاية بدأت بفكرة، وتحولت إلى بطولة، ثم أصبحت إرثاً خليجياً مشتركاً تتوارثه الأجيال، ودليلاً على أن الرياضة قادرة على بناء جسور لا تهدمها المسافات، ولا تعيقها التحديات.
ومن الإنصاف أن نبدأ الحكاية من صاحب الفكرة، الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز، الذي ارتبط اسمه بانطلاقة هذا المشروع الرياضي الكبير. فقد طرح فكرة إقامة بطولة تجمع منتخبات الخليج، وحظيت بدعم والده الملك فيصل بن عبدالعزيز، طيب الله ثراه، فيما أسهمت جهود المسؤولين الرياضيين في مملكة البحرين، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة، في تحويل الفكرة إلى واقع رياضي تاريخي.
وكانت البحرين سبّاقة إلى تبني الفكرة والعمل على تحقيقها، حتى ولدت النسخة الأولى من كأس الخليج العربي عام 1970، لتبدأ مسيرة امتدت عبر أكثر من خمسة عقود، حملت خلالها البطولة رسائل رياضية وإنسانية وثقافية تجاوزت حدود الملاعب.
السعودية.. ذاكرة رياضية راسخة
تربطنا بالمملكة العربية السعودية علاقات رياضية عريقة، تعود إلى ما قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حين كانت فرقنا الكروية تزور المملكة، وتلتقي بالأشقاء في الرياض والمنطقة الشرقية، في مناسبات رياضية أسهمت في ترسيخ التواصل بين أبناء المنطقة.
ومن أرض الرياض، كانت البداية الرسمية لمشاركة منتخب الإمارات في كأس الخليج العربي، خلال الدورة الثانية عام 1972، في محطة تاريخية لا تزال حاضرة في ذاكرة الرياضة الإماراتية، وتستحق أن نتوقف عندها بكل اعتزاز.
وتحمل الرياض كذلك جانباً مهماً من قصة صاحب فكرة البطولة، الأمير خالد الفيصل، الذي ارتبط اسمه بالعمل الرياضي والشبابي في المملكة، وتولى مسؤوليات قيادية في هذا المجال، إلى جانب حضوره الثقافي والأدبي والشعري، ليجمع بين الفكر الرياضي والإبداع الثقافي.
كما لا يمكن أن ننسى الدور الذي أداه الأمير الراحل فيصل بن فهد، الذي ترك بصمة بارزة في مسيرة الرياضة السعودية، ثم جاء من بعده الأمير سلطان بن فهد، وتواصلت المسيرة مع الأمير نواف بن فيصل، في مراحل مختلفة من تطور العمل الرياضي والشبابي بالمملكة.
عندما نعود إلى بدايات كأس الخليج، نتذكر الدور المحوري الذي قامت به مملكة البحرين في احتضان الفكرة وترجمتها إلى بطولة واقعية. فقد تحرك المسؤولون الرياضيون البحرينيون، وعرضوا الفكرة على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك، الإنجليزي ستانلي راوس، خلال دورة الألعاب الأولمبية في مكسيكو عام 1968، لتتواصل الجهود نحو وضع الأسس الأولى لهذه التظاهرة الخليجية.
وفي عام 1970، شهد الاستاد الوطني في البحرين انطلاق النسخة الأولى من البطولة، وسط أجواء احتفالية عكست فرحة أبناء الخليج بميلاد حدث رياضي جديد. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كأس الخليج موعداً يجمع الجماهير والمنتخبات، ويمنح المواهب فرصة الظهور، ويعزز الروابط الأخوية بين الدول المشاركة.
وما أجمل أن تعود البطولة إلى البحرين في مناسباتها المتجددة، لتستعيد الملاعب ذاكرة البدايات، وتروي للأجيال الجديدة قصة بطولة لم تكن مجرد منافسة على كأس، بل مشروعاً إنسانياً حمل في جوهره معاني التواصل والتقارب.
وفاءٌ يليق بصاحب الفكرة
ومن أجمل المواقف التي تؤكد قيمة الوفاء، تكريم الأمير خالد الفيصل عام 2021، حين قلّده ملك البحرين وسام الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، تقديراً لدوره في فكرة إقامة بطولة كأس الخليج العربي.
إن التكريم لا يخص شخصاً بعينه فقط، بل يعبّر عن تقدير تاريخي لفكرة جمعت شعوب المنطقة، وعن اعتراف بالدور الذي أسهم فيه أصحاب المبادرات والجهود الأولى في تأسيس هذه المسيرة الرياضية.
لقد أصبحت كأس الخليج اليوم جزءاً من الذاكرة الجماعية لأبناء المنطقة، وموعداً تتجدد فيه مشاعر الانتماء الخليجي، وتلتقي فيه الجماهير على المحبة
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، ننظر إلى كأس الخليج باعتزاز خاص، لأنها كانت إحدى المحطات التي أسهمت في تعزيز حضور منتخبنا الوطني، وترسيخ علاقاتنا الرياضية مع الأشقاء، وإبراز المواهب الإماراتية في المحافل الإقليمية.
لقد آمنت قيادتنا الرشيدة، منذ قيام الاتحاد، بأن الرياضة ليست منافسة داخل الملعب فحسب، وإنما وسيلة لبناء الإنسان، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوثيق صلات المحبة مع الأشقاء والأصدقاء. ومن هنا، كانت مشاركات الإمارات في دورات الخليج جزءاً من مسيرة وطنية تعكس طموح دولتنا، وحرصها على الحضور والتفاعل والعطاء.
واليوم، ونحن نتابع الاستعدادات لخليجي 27 في المملكة العربية السعودية، تعود بنا الذاكرة إلى البدايات، إلى ملاعب الأمس، وإلى الرجال الذين أسسوا هذه المسيرة، وإلى اللاعبين والجماهير والإعلاميين الذين صنعوا معاً ذاكرة البطولة.
إن شعار «أهلاً بالخليج» يحمل معنى يتجاوز الكلمات؛ فهو دعوة مفتوحة للمحبة، ورسالة تؤكد أن الخليج بيت واحد، وأن اختلاف المنافسة لا يلغي وحدة المشاعر، وأن الرياضة تظل لغة تجمع ولا تفرق.
حفظ الله دول الخليج وشعوبها، وأدام بينها المحبة والتعاون، وحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة، وجعل وطننا دائماً جسراً للسلام والتواصل، ومنارة للعطاء والوفاء.
أهلاً بالخليج.. أهلاً بالمحبة.. وأهلاً بتاريخٍ يجمعنا.



