عبدالله العبيدي يكتب:” السعودية.. حين تصنع الرياضة إعلامها”

تصنع الرياضة لحظتها في الملعب، وتمتد آثارها إلى الإعلام والمنصات الرقمية، حيث تتحول البطولات الكبرى إلى مساحة لإنتاج المحتوى، وتبادل الخبرات، وتطوير مهارات العاملين في التغطية الرياضية.
وفي جدة، تجلى هذا الحراك الإعلامي المصاحب لـ«خليجي الديار العربية 27» من خلال ملتقيات وبرامج تدريبية جمعت الإعلاميين والخبراء والمتخصصين، وناقشت مستقبل الإعلام الرياضي وأدواته المتجددة، في مشهد يعكس الحراك المتنامي الذي تشهده المملكة في صناعة الرياضة والإعلام المرتبط بها.
وفي 30 سبتمبر 2026، استضافت جدة النسخة الثانية من المنتدى الخليجي للإعلام الرياضي، تحت شعار «إعلام مسؤول.. رياضة تجمعنا»، إلى جانب دورة «صناعة المحتوى الرقمي» التي أقامها الاتحاد العربي للصحافة الرياضية، بمشاركة إعلاميين وإعلاميات، وحضور جياني ميرلو، رئيس الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية.
وتكشف هذه الفعاليات عن علاقة متنامية بين الرياضة والإعلام؛ فالبطولة توفر الحدث، والحدث يفتح مساحات واسعة لصناعة المحتوى، والتدريب يمنح الإعلامي الأدوات التي تساعده على التعامل مع هذه المساحات باحترافية. ومع تطور المنصات الرقمية وتغير اهتمامات الجمهور، تتسع مهارات الإعلامي لتشمل الصورة والفيديو والبيانات والمنصات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب البحث والتحقق وصناعة القصة.
وتوفر البطولات الكبرى بيئة عملية لتطوير هذه المهارات؛ إذ يشارك الإعلامي في الندوات والبرامج التدريبية، ثم يطبق ما تعلمه في ميدان التغطية، وسط سرعة الأحداث وتنوع مصادر المعلومات وتعدد المنصات. وهنا تتحول المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة تراكمية يستفيد منها الإعلامي في كل استحقاق جديد.
ومن خلال تجربتي في «البرنامج التدريبي لصناعة البرامج الوثائقية» الذي أقامه الاتحاد السعودي للإعلام الرياضي في محافظة الخبر، تعلمت أساليب بناء الفكرة الوثائقية وتطويرها، وترتيب المعلومات، وصياغة المعالجة، وتحويل التفاصيل إلى قصة متماسكة تراعي طبيعة الجمهور والمنصة التي يقدم من خلالها المحتوى.
وأتاحت لي التجربة التعرف على تفاصيل صناعة الفيلم أو البرنامج الوثائقي، بدءًا من الفكرة والبحث وجمع المعلومات، مرورًا ببناء المعالجة واختيار العناصر التي تمنح القصة قيمتها، وصولًا إلى تقديم محتوى قادر على جذب المتلقي وإيصال الرسالة بصورة احترافية. وأكدت لي التجربة قيمة التدريب حين يرتبط بالممارسة، ويمنح الإعلامي فرصة لتحويل المعرفة إلى مهارات يستخدمها في عمله.
وخلال «خليجي الديار العربية 27»، دار بيني وبين الأستاذ جبر بن محمد الشايقي حديث تناول المسؤولية الإعلامية، والمصداقية، وصناعة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، وتأهيل الشباب للتغطيات الرياضية الدولية.
وقال الشايقي: «نريد إعلامًا يزيد البطولة حماسًا، ويزيد أبناء الخليج تقاربًا».
ومن العبارات التي توقفت عندها في حديثه: «عدد المتابعين يعكس حجم الوصول، أما المصداقية فتُبنى بالممارسة».
وتبرز هنا أهمية الجمع بين الانتشار والمهنية؛ فالوصول يوسع دائرة الجمهور، والدقة والتحقق والالتزام المهني تمنح المحتوى قيمته وثقة المتلقي به. ومع اتساع الاستحقاقات الرياضية التي تستضيفها المملكة، من كأس آسيا 2027 إلى كأس العالم 2034، تتسع مسؤولية الإعلام الرياضي السعودي في تقديم صورة متكاملة عن رياضة الوطن، ونجومها، وجماهيرها، وقصصها، ومشروعاتها إلى جمهور محلي وعربي ودولي.
وأفتخر، كإعلامي رياضي سعودي، بما تشهده المملكة من حراك متنامٍ في القطاع الرياضي والإعلامي، وبالفرص التي تتيحها هذه الاستحقاقات أمام الكوادر الوطنية للتعلم والتطور والمشاركة في أحداث رياضية كبرى. فكل بطولة تستضيفها المملكة تمثل مساحة جديدة لاكتساب الخبرة، وصناعة المحتوى، وبناء جيل إعلامي أكثر قدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها الإعلام الرياضي عالميًا.
ومن هذه الزاوية، يمثل الاستثمار في تدريب الإعلاميين امتدادًا للاستثمار في القطاع الرياضي؛ فالخبرات التي يكتسبها الإعلامي خلال البطولات والبرامج التدريبية تتراكم مع الوقت، وتنتقل معه إلى الاستحقاقات المقبلة، لتسهم في بناء تجربة إعلامية سعودية أكثر حضورًا وتأثيرًا.
ومن جدة تتضح العلاقة بين عناصر المشهد: الرياضة تصنع الحدث، والحدث يفتح المجال للمحتوى، والإعلامي يحول التفاصيل إلى قصة، والقصة تصل إلى الجمهور وتحفظ جانبًا من ذاكرة الرياضة.
ومن هنا تصنع الرياضة إعلامها.



