مقالات رأي

ماجد الغامدي يكتب:”الحياة تمضي”

 

عندما كنا صغارًا، كان أكبر أحلامنا أن نكبر بسرعة. ننظر إلى عالم الكبار بعيون لامعة، نظن أن الحرية هناك، وأن القوة هناك، وأن الحياة تبدأ فعلًا عندما نتخلص من قيود الطفولة. كنا نعد الأيام ونقيس أطوالنا على الجدران، ونفرح من كل سنة جديدة تضاف إلى أعمارنا. كبرنا ونحن نستعجل الزمن، ولم ندرك أننا نستعجل رحيل أجمل ما فينا.

ثم كبرنا. حملنا المسؤوليات على أكتافنا وفهمت قلوبنا ثقل الأيام. صار للصمت معنى، وللغصة طعم، وللذكرى وزن. صرنا نمر على ملاعب الطفولة فنراها أصغر، وعلى بيوتنا القديمة فنراها أحن، وعلى وجوه من رافقونا فنشعر أن بعضهم لم يعد هنا. هنا فقط فهمنا أننا كنا نملك جنة ولم ننتبه.

صرنا نتمنى لو ترجع بنا الحياة للماضي، لا لنعيد كل شيء، بل لنعيش اللحظة التي مرت ونحن غافلون عنها. لنضحك من القلب دون أن نحسب تبعات الضحكة. لننام دون قلق على ما سيأتي غدًا. لنرى الذين فقدناهم مرة أخرى، ولو للحظة، نضمهم ونقول لهم ما لم نقله.

رحم الله من فقدنا، فقد كانوا جزءًا من بساطتنا التي مضت. كانوا بركة الأيام الخفيفة، وكانوا الأمان الذي لا نحتاج أن نفسره. برحيلهم أخذوا قطعة من طفولتنا، وتركوا فينا حنينًا لا يهدأ.

الحياة تمضي في اتجاه واحد، وهذا درسها القاسي والعادل. لا نعود للوراء، لكننا نستطيع أن نحمل قيم الماضي معنا: البراءة في النية، والصدق في العلاقة، والرضا بالقليل. ربما حينها نتصالح مع الحاضر، ونفهم أن كل مرحلة لها جمالها، وأن الشوق للماضي لا يعني كره الحاضر، بل يعني أننا عرفنا قيمة ما كنا نملك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com