ما تراه العين وما يدركه القلب

تنبني إشكالية التلقي في الفنون الجميلة على ثنائية (الظاهر والجوهر)، وهي الثنائية التي يختزلها عنواننا في مستويين؛ الأول: ما تراه العين ، ويتمثل في المستوى التقريري للعمل، ونقصد به ذلك الرصد البصري المباشر الذي يحلل المكونات الأولية من خطوط ودرجات لونية، وأحجام
إنها اللحظة التي تقرر فيها العين ماهية العناصر قبل أن يبدأ العقل في تأويلها.
أما المستوى الثاني: ما يدركه القلب ، فهو يمثل البصيرة التي تنفذ إلى ما وراء الشكل لتستنطق الدلالات الفلسفية والوجدانية الكامنة.
إن هذا الاتصال مع الوجدان هو السبب الجوهري الذي يجعل اقتناء لوحة دون أخرى أمراً محتملاً ومبرراً؛ فالمقتني المتخصص لا يسعى لامتلاك مادةٍ صماء تكتفي العين برصدها، بل يقتني تلك الرؤية وذلك الشعور الذي يتماهى مع إدراكه القلبي، وتمنح العمل قيمة شعورية تتجاوز قيمته المادية.
ولعلنا نجد في تاريخ الفن شواهد تجسد هذا التمايز؛ فالعين حين تقارب لوحة ليلة النجوم لفنسنت فان جوخ، قد تكتفي برصد ضربات الفرشاة الكثيفة، لكن الإدراك القلبي هو الذي ينفذ إلى سيكولوجية اللون ليدرك الاغتراب الروحي؛ هنا ننتقل من وصف بصرية اللون إلى استشعار بصيرة الألم .
وفي سياق آخر، تبرز لوحة الجيرنيكا لبيكاسو؛ حيث يرصد البصر التفكيك التكعيبي، بينما يدرك الوعي القلبي تراجيديا الفقد .
كما يتجلى هذا العمق في منحوتة المفكر لرودان، حيث تتحول الكتلة البرونزية إلى تجسيد مادي لثقل الفكرة، وهو ما لا يمكن إدراكه إلا بتجاوز التوصيف التشريحي نحو فضاء المعنى.
إننا أمام دعوة منهجية لتحويل فعل المشاهدة العابر ، إلى فعل رؤية استبصاري؛ فاللوحة حين تُقرأ بالقلب، تتحول من مجرد موضوع بصري إلى نص فلسفي يحمل عبق التاريخ ورؤية المبدع الذي يطوع الخامة ليخلق منها كينونة جمالية نابضة.
( ليبقى الفن هو اللغة التي تبدأ من حيث تنتهي الكلمات) ؛ فالعين قد تكتفي بالمشاهدة، لكن القلب هو من يمنح المشهد صبغة الخلود.



