سامر الشاماني يكتب:”هل وصلت رسالة كونيونيس؟”

لم تكن الكلمات التي فجرها مهاجم نادي القادسية مجرد انطباع عابر للاعب محترف، بل كانت بمثابة قذيفة تكتيكية حطمت جدران التشكيك التي طالما شيّدها الإعلام الرياضي الغربي حول كرة القدم السعودية
«كونيونيس »الذي غادر الدوري المكسيكي في أوج عطائه وشبابه الكروي، أرسل إشارات واضحة تخطت حدود القارات لتؤكد للعالم أن بوصلة اللعبة الحقيقية لم تعد حكراً على جغرافيا معينة، وأن الميدان هو الفيصل الصادق الوحيد
تجاوز المدى الجغرافي لهذه الرسالة كل التوقعات، حيث تلقفتها كبرى الشبكات الإخبارية والصحف الرياضية العالمية في أمريكا اللاتينية وأوروبا
لم يُنظر إلى حديثه كدعاية تسويقية، بل كشهادة حية وصادمة صادرة من قلب المصلحة الفنية، مما منحها نفوذاً كبيراً جعلها تخترق البرامج الحوارية الرياضية الأكثر دموية في نقدها للمشروع السعودي، لتجبر الجميع على فتح ملفات التقييم من جديد ..
لسنوات طويلة، حاولت السردية الإعلامية الغربية التقليدية حصر الدوري السعودي في إطار ضيق يصفه بـ”دوري الاعتزال” أو “الوجهة المالية الصرفة” لكن عندما يتحدث لاعب دولي بوزن كونيونيس عن الشراسة البدنية والضغط التكتيكي
فإن هذه السردية تتهاوى تلقائياً
فرضت الرسالة تحولاً إجبارياً في طريقة التعاطي الإعلامي الغربي، حيث غادر النقاد مربع الإنكار والتعالي، وبدأوا يدركون أنهم أمام دوري تنافسي حقيقي يعيد صياغة مفاهيم اللعبة، ويجبر المحللين على متابعته كقوة كروية صاعدة ومؤثرة تفرض احترامها
هذا الانقلاب في المشهد تجسد أيضاً في تحول الحملات الشرسة والانتقادات الحادة التي صاحبت هجرة النجوم إلى الملاعب السعودية، والتي ادعت سابقاً أن هذا الانتقال سيعني نهاية المسيرة الدولية للاعبين وتراجع مستوياتهم، لتصبح تلك الانتقادات اليوم -بالمفارقة- أكبر مؤشر إيجابي يدعم جودة الأداء السعودي
ولغة الميدان كشفت زيف تلك المخاوف فالضجيج الإعلامي الخارجي تراجع أمام حقيقة أن اللعب في دوري روشن بات يرفع من أسهم اللاعبين ويزيد من حدة تنافسيتهم، بدلاً من أن يطفئ بريقهم الكروي والبرهان الساطع على هذه القوة ظهر جلياً في النوافذ الدولية ومباريات المنتخبات الوطنية، حيث أظهر اللاعبون القادمون من الملاعب السعودية مستويات بدنية مذهلة ورتماً تكتيكياً فائق السرعة
لم يلحظ أحد أي هبوط في عطائهم مع منتخباتهم، بل على العكس، ظهروا بأعلى درجات الجاهزية الذهنية والبدنية، مما أثبت أن البيئة التدريبية والتنافسية في الأندية السعودية تفرض انضباطاً صارماً يوازي تماماً، بل ويتفوق في محطات كثيرة، على ما تقدمه أرقى الدوريات العالمية ، وحين يرفع كونيونيس والنجوم الآخرون شعار أن كأس العالم هو رسالتهم الحقيقية، فإنهم يضعون الأصبع على عمق المقارنات الفنية المعقدة
الواقع » في الملاعب السعودية يثبت أن بعض مباريات كأس العالم -بحكم التفاوت الشاسع في المستويات بين المنتخبات في دور المجموعات ووجود فوارق فنية واضحة- قد تكون تكتيكياً أقل تعقيداً وضغطاً من واقع جولات دوري روشن في المونديال
قد تجد مساحات وفرصاً للتعويض، بينما في الدوري السعودي، الخطأ التكتيكي الواحد يكلف صدارة أو بطولة
وهذا يعني ان تحول الدوري السعودي إلى أحد أهم الركائز العالمية في قرارات وقراءات اللعبة، وبفضل كتيبة المدربين النخبويين وأفضل صناع التكتيك في العالم الذين يقودون الأندية، ليصبح الميدان السعودي بيئة معقدة جداً دفاعياً وهجومياً
رسالة ” كونيونيس واضحة
( لا توجد هنا مباراة سهلة أو فوز مضمون، بل إن تسجيل الأرقام القياسية أو كسرها بات يتطلب مجهوداً خارقاً للعادة ،الصراع الشرس بين الصفوة من اللاعبين والأندية لانتزاع الأرقام وتخليد أسمائهم، جعل من كل هدف وصناعة وتصدي إنجازاً تكتيكياً حقيقياً معمدًا بالعرق، ليؤكد أن قوة هذا الدوري نابعة من كونه لا يرحم المقصرين، ولا يعترف إلا بالأفضل الذي يقدم كل ما لديه في المستطيل الأخضر.



