عكاشة الأنصاري يكتب:”الباراغواي… حين تكلّم الهدوء”

من يعرف الباراغواي في كرة القدم، ومن لا يعرفها، سيتوقف طويلًا أمام ما صنعه منتخبها في كأس العالم 2026، بعدما فجّر أولى مفاجآت دور الـ32 بإقصائه ألمانيا، رغم الفوارق الكبيرة التي منحت «الماكينات» الأفضلية قبل صافرة البداية. وما شهدته بوسطن على ملعب جيليت لم يكن وليد لحظة، ولا مجرد صدفة عابرة، وإنما انعكاس لثقافة حملها المنتخب معه إلى الولايات المتحدة قبل أن يحسم بطاقة العبور إلى دور الـ16.
تقع الباراغواي في قلب أمريكا الجنوبية، وهي جمهورية لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة. وعلى الرغم من صغر مساحتها، فإنها عاشت واحدة من أقسى محطات تاريخ القارة عندما خاضت حرب التحالف الثلاثي ضد البرازيل والأرجنتين وأوروغواي، وخسرت خلالها جزءًا من أراضيها وعددًا كبيرًا من رجالها، في حرب تركت أثرًا عميقًا في مجتمعها وتركيبتها السكانية.
ورغم تلك الخسائر، نهضت الباراغواي من جديد حتى أصبحت تُعرف بـ«قلب أمريكا الجنوبية»، واتخذت من أسونسيون عاصمة لها، بينما احتفظ شعبها بطباع يغلب عليها الهدوء والصبر والقدرة على التماسك في أصعب الظروف.
ويختصر الباراغوانيون هذا المعنى بتعبيرهم «Tranquilopa»، وهي كلمة تجمع بين الإسبانية والغوارانية المحلية، وتعني: «لا تقلق… كل شيء على ما يرام». لم تعد مجرد تعبير يُتداول في الأحاديث اليومية، وإنما أصبحت انعكاسًا لطريقة تعاملهم مع الحياة مهما اشتدت الضغوط أو تعقدت الظروف.
ومن قلب أمريكا الجنوبية إلى بوسطن، حمل المنتخب الباراغواني معه تلك الروح إلى مواجهة ألمانيا. وهناك وجد المدرب الأرجنتيني غوستافو ألفارو نفسه أمام أحد أكثر منتخبات العالم هيبة، بينما كانت معظم التوقعات تمنح الألمان بطاقة العبور إلى الدور التالي.
بدأت ألمانيا المباراة باستحواذ وضغط متواصل، فيما اختارت الباراغواي أن تواجه ذلك الاندفاع بثقة وصبر، وكأنها كانت تدرك أن المباراة لن تُحسم في دقائقها الأولى.
واصلت ألمانيا فرض إيقاعها، واستمرت في الاستحواذ والضغط، فيما بقيت الباراغواي متمسكة بهدوئها، وكأنها تنتظر اللحظة التي تغيّر بها اتجاه المباراة. وعندما حضرت تلك اللحظة، ظهر المنتخب الباراغواني بوجه مختلف، فخطف خوليو إنسيسو هدف التقدم بعكس مجريات اللعب.
ومع بداية الشوط الثاني، احتاج المنتخب الألماني إلى ثوانٍ فقط ليعيد المباراة إلى نقطة البداية. كانت لحظة قصيرة خرجت فيها الباراغواي عن هدوئها، فاستغلها كاي هافيرتز بضربة رأسية شقت الدفاع والحارس، كما يشق نهر باراغواي البلاد إلى قسمين، عندها انقسمت المدرجات الباراغوانية، بين من رأى في هدف التعادل بداية الانهيار، ومن تمسّك بهدوئه مؤمنًا بأن الهدوء الذي أوصلهم إلى هنا قادر على حملهم إلى النهاية
في تلك اللحظة، اتخذ اللاعبون قرارًا واحدًا.
تقمص دور «سد إيتايبو»، أحد أكبر محطات الطاقة الكهرومائية في العالم إنتاجًا للكهرباء. هاجمت ألمانيا من كل اتجاه، واستنفدت معظم حلولها الهجومية، لكن دفاع الباراغواي تعامل مع ذلك الاندفاع كما يتعامل السد مع قوة المياه؛ يحتويها، وينظم تدفقها، ثم يحولها إلى مصدر قوة. وهكذا امتص المنتخب الباراغواني الضغط الألماني، وأبقى المباراة تسير بالإيقاع الذي يريده حتى مع ازدياد الضغط.
ومع مرور الوقت، دخلت المباراة مرحلة مختلفة، وأصبحت الأشواط الإضافية الفرصة الأخيرة لألمانيا للبحث عن هدف ينهي المواجهة. غير أن التوتر بدأ يتسلل إلى صفوفها تدريجيًا، بينما ظل منتخب «ألبيروخا» متمسكًا بهدوئه، وكأنه يردد بصمت «Tranquilopa»… لا تقلق، كل شيء على ما يرام.
وامتدت المباراة إلى ركلات الترجيح؛ الاختبار الذي لا يعترف إلا بثبات الأعصاب. وهناك وقف الحارس أورلاندو جيل شامخًا أمام مرمى الباراغواي، فتصدى لركلتين ألمانيتين، بينما حاول مانويل نوير إبقاء منتخب بلاده في المواجهة. مرت إحدى الكرات بجوار القائم، وتصدى لأخرى، ليبقى الحسم معلقًا حتى اللحظات الأخيرة.
حتى جاءت ركلة جوناثان تاه، فحلّقت فوق العارضة، لتضع الباراغواي أمام الركلة التي انتظرتها طوال المباراة. تقدم خوسيه كانالي لتنفيذ الركلة السادسة الحاسمة، واتجه نحو الكرة بهدوء مطبق، وكأن ضجيج المدرجات لا يعنيه، بينما كانت المباراة كلها تسير بالإيقاع ذاته الذي اختاره منتخب بلاده منذ البداية.
لم يستعجل، ولم يحاول أن يسبق اللحظة، بل تركها تصل إليه. كانت الباراغواي تتقدم كما تتقدم الأنهار؛ لا تبدو مستعجلة، لكنها تصل دائمًا إلى وجهتها، سدد الكرة بثقة، فعانقت الشباك، فسقطت ألمانيا، ووصل الهدوء إلى وجهته أخيرًا، وعبرت الباراغواي إلى دور الـ16
وفي تلك اللحظة، لم تعد «Tranquilopa» مجرد كلمة، وإنما أصبحت اللغة التي تحدثت بها الباراغواي طوال المباراة؛ هدوء في أصعب اللحظات، وثقة لم تغادرها حتى صافرة النهاية.



