عثمان الغتنيني يكتب:”لمن يبتسم الحظ؟!”

اعتاد معاشر المتعصبين من المحللين والمتابعين أن يضعوا المنتخبات الكبيرة دائماً في مقدمة الترشيحات، وكأن كأس العالم بطولة مغلقة لا يفوز بها إلا البرازيل والأرجنتين وإيطاليا وألمانيا، وكأن التاريخ وحده كفيل بصناعة الفوز وتكرار الإنجاز. يتحدثون عن السامبا والراقصين والماكينات والأزوري وكأن المستطيل الأخضر مسجل بأسمائهم ولا مجال لغيرهم بالاقتراب منصة التتويج. وفي خضم هذا الحديث المتكرر، يتم تجاهل منتخبات لا يقل مستواها الفني والتكتيكي والبدني عن تلك المنتخبات، بل إن بعضها يملك اليوم جيلاً ذهبياً، ومدرباً يعرف كيف يقرأ المباريات، وروحاً جماعية قد تكون أخطر من الأسماء اللامعة. كرة القدم يا سادة ليست أرشيف بطولات، وليست صوراً قديمة في متحف الاتحاد الدولي، كرة القدم لحظة، خطأ في تمركز مدافع، ركلة جزاء في الدقيقة التسعين، طرد غير متوقع، أو حتى هدف عكسي يغير مجرى بطولة كاملة. هي حظ يبتسم، وتوفيق يأتي في الوقت المناسب لمن آمن بنفسه وقاتل حتى اللحظة الأخيرة. والمفارقة التي تعودنا عليها أن كثيراً من هذه المنتخبات التي يتم ترشيحها بثقة مبالغ فيها تغادر مبكراً، أحياناً من دور الـ16، بعد مباراة واحدة سيئة أو ركلات ترجيح قاسية، بينما يمضي منتخب لم يضعه أحد في الحسبان خطوة بعد خطوة حتى يصل إلى ما لم يتوقعه أحد. وربما في هذه النسخة لا يبتسم الحظ للمنتخبات الأربعة التي اعتدنا على رؤيتها في النهائيات، وربما نشهد لأول مرة اسماً جديداً يعتلي منصة التتويج ويكتب تاريخه بحبر مختلف. انظر إلى البرتغال التي تمتلك واحداً من أقوى الأجيال في تاريخها، مع مزيج من الخبرة والشباب وقدرة على اللعب في كل المراكز. وانظر إلى فرنسا بعمق دكتها الذي يسمح لها بتغيير نصف الفريق دون أن يتأثر الأداء، مع لاعبين يصنعون الفارق في أي لحظة. وانظر إلى إنجلترا التي تنتظر منذ عقود لحظة كسر العقدة، ومعها جيل لا يخشى الضغط ويجيد اللعب تحت أنظار الملايين. ولا تنسَ القادمين من القارة الأفريقية، المغرب الذي أسكت العالم في النسخة الماضية ووصل إلى ما لم يصله عربي أو أفريقي من قبل، والسنغال التي تملك شخصية البطل وتجيد اللعب بندية أمام الكبار، بالإضافة إلى منتخبات أوروبية أخرى مثل هولندا وكرواتيا التي تجيد خطف الفرص في الأدوار الإقصائية. المستطيل الأخضر لا يعترف بالألقاب السابقة ولا يفتح أبوابه للتاريخ، هو يفتحها لمن دخل المباراة بعقلية الفائز، لمن استغل كل كرة وكل فرصة وكل ثانية. من يلعب بروح الفريق، من يتحمل الضغط، من لا ينهار بعد هدف، هو من يصنع المفاجأة. ولهذا السبب كانت كرة القدم دائماً لعبة الاحتمالات، لعبة لا تعرف المستحيل. قد نرى نهائياً بلا برازيل، وبلا أرجنتين، وبلا ألمانيا، وقد نرى علماً يرفع لأول مرة ونحن نقول: كيف حدث هذا؟ الجواب ببساطة: لأن الحظ هذه المرة ابتسم لمن كانوا في الظل، لمن عملوا بصمت، لمن لم يصدقهم أحد، لمن خرج من دور المجموعات وهو مغمور ثم عاد من بوابة المفاجآت ليكسر كل التوقعات. عندها فقط سندرك أن البطولة لا تُمنح بالاسم، ولا تُحسم بالتعصب، بل تُنتزع بالعرق والقتال والإيمان، وأن الكرة دائماً تكافئ من يستحق، حتى لو تأخر استحقاقه سنوات.



