شخصية عربية في مونديال الكبار

لم تكن الأيام القليلة الماضية عادية في جغرافيا كرة القدم العربية فقد جسدت دراما الساحرة المستديرة في أبهى وأقسى صورها فبين أهازيج الفخر في الرباط بعد انتصار المغرب العريض بثلاثية نظيفة يوم الرابع من يوليو ودموع الكبرياء في القاهرة عقب ملحمة بطولية مصرية حبست أنفاس حامل اللقب يوم السابع من يوليو تبلور المشهد المونديالي العربي بكثير من الكبرياء.
يعيش الشارع الرياضي العربي حالة من تباين المشاعر حيث خرجت مصر برأس مرفوعة وبقي المغرب حاملاً لراية الآمال العربية ليعيد التاريخ كتابة فصله الأكثر إثارة بمواجهة متجددة ضد فرنسا في ربع النهائي بطموح يتجاوز مجرد العبور نحو كتابة تاريخ غير مسبوق.
في ملعب شهد على واحدة من أكثر مباريات المونديال إثارة قدم المنتخب المصري ملحمة تكتيكية وشجاعة فائقة أمام المنتخب الأرجنتيني المدجج بالنجوم فالنتيجة الرقمية القريبة بثلاثة أهداف لهدفين لصالح التانغو لا تعكس حجم المعاناة التي عاشها رفاق ليو ميسي طوال التسعين دقيقة بعدما رفض الفراعنة دور الضحية وهاجموا بكبرياء وكانوا قاب قوسين أو أدنى من تفجير كبرى المفاجآت ليأتي هذا الخروج بمرتبة الشرف مؤكدًا أن كرة القدم المصرية باتت تملك الشخصية والهوية الفنية التي تمكنها من مقارعة الصف الأول عالميًا دون مركب نقص ومثبتاً أن الفارق بين قمم الكرة العالمية والكرة العربية صار يكمن في التفاصيل الصغيرة فقط.
على النقيض من أحزان القاهرة كانت الرباط تتنفس الفرح فالتأهل المغربي إلى ربع النهائي لم يعد يُصنف في قاموس الكرة العالمية كمفاجأة أو ضربة حظ إنما هو امتداد طبيعي لثقافة الفوز والشخصية الصارمة التي زرعها هذا الجيل منذ مونديال قطر حيث يمتلك أسود الأطلس جينات خاصة بالمواعيد الكبرى تتمثل في انضباط تكتيكي حديدي ومنظومة دفاعية يصعب اختراقها وتحولات هجومية مدروسة وعندما يرتدي اللاعب المغربي قميص المنتخب في المونديال يتخلى عن الضغوط ويتحول إلى مقاتل يدرك تمامًا كيف يدير المباريات الإقصائية المعقدة.
تتجه الأنظار الآن صوب ملعب بوسطن مساء الخميس التاسع من يوليو حيث يتجدد الموعد الكلاسيكي بين المغرب وفرنسا في مباراة محملة بإرث رياضي قريب فالذاكرة ما زالت حية بتفاصيل نصف نهائي مونديال ألفين واثنين وعشرين عندما توقف الحلم المغربي أمام الديوك لكن معطيات اللقاء اليوم تبدو مختلفة تمامًا.
يدخل المغرب هذه الملحمة بخبرة تراكمية أكبر ونضج تكتيكي عال في حين تدرك فرنسا بقيادة كيليان مبابي أن مواجهة الأسود لن تكون نزهة وإنما صراعًا بدنيًا وفنيًا شرسًا يملك فيه المغرب كل المقومات الفنية لضرب التوقعات.
تغادر مصر المونديال بجيل كسب احترام العالم ويبقى المغرب سفيرًا فوق العادة لطموحات الملايين من المحيط إلى الخليج وفي ليلة الخميس لن يواجه المغرب فرنسا بأحد عشر لاعباً في الميدان فحسب إنما سينزل الأسود إلى المستطيل الأخضر مدفوعين بإرث مونديالي حافل ودعاء أمة بأكملها تتطلع لرؤية الراية العربية ترفرف في المربع الذهبي من جديد.



