نعمان عبدالغني يكتب:”كأس العالم 2026 والوضع في غزة بين فرحة المونديال ومأساة الإنسان”

يشهد قطاع غزة تصعيدًا عسكريًا متواصلًا، يترافق مع عمليات توغل بري إسرائيلية في مناطق عدة، من بينها حي الزيتون ومدينة خان يونس، وسط قصف جوي ومدفعي مكثف، ومخاوف متزايدة من مخططات تهدف إلى إقامة بؤر استيطانية جديدة، في ظل استمرار التدهور الإنساني غير المسبوق.
وفي هذا السياق، وصف مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أخيم شتاينر، خلال إحدى زياراته إلى قطاع غزة، الوضع الإنساني بأنه يمثل واحدة من أكبر المآسي التي صنعها الإنسان في العصر الحديث، مؤكدًا أن حجم الدمار والمعاناة التي يعيشها المدنيون يفوق الوصف. وأشار إلى أن العائلات، ولا سيما الأطفال، تواجه ظروفًا قاسية، لكنها ما زالت تُظهر قدرًا كبيرًا من الصمود، مشددًا على أن وكالات الأمم المتحدة قادرة على تقديم المساعدة اللازمة متى أُتيح لها الوصول الكامل إلى القطاع.
وأوضح أن إزالة الأنقاض وحدها قد تستغرق سنوات طويلة إذا استمرت وتيرة العمل الحالية، كما لفت إلى الكارثة البيئية والصحية الناتجة عن تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات، مؤكدًا أن توفير المساكن المؤقتة، وإزالة الركام، وإيصال المعدات الطبية، تمثل أولويات إنسانية عاجلة.
مونديال 2026… فرحة رياضية في ظل مأساة إنسانية
تزامنت بطولة كأس العالم 2026 مع استمرار الحرب في غزة، الأمر الذي أوجد مفارقة مؤلمة بين أجواء الاحتفال بأكبر حدث رياضي عالمي، والمأساة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، وما خلفته الحرب من دمار طال البشر والبنية التحتية والمنشآت الرياضية.
وقد تعرضت الملاعب والصالات الرياضية لأضرار جسيمة، وتحول عدد منها إلى مراكز لإيواء النازحين. كما تكبدت الحركة الرياضية الفلسطينية خسائر كبيرة في الأرواح، شملت لاعبين ومدربين وإداريين، فضلًا عن توقف الأنشطة الرياضية بصورة شبه كاملة.
ورغم هذه الظروف القاسية، لم يتخلَّ الفلسطينيون عن شغفهم بكرة القدم، إذ بادر عدد من الشباب إلى تنظيم تجمعات شعبية لمتابعة مباريات كأس العالم عبر شاشات بسيطة داخل الخيام أو في أماكن بدائية، في محاولة لخلق مساحة من الأمل والهروب المؤقت من أجواء الحرب.
كما شهد القطاع تنظيم مباريات رمزية، شارك في بعضها لاعبون من مبتوري الأطراف، تعبيرًا عن إرادة الحياة، ورسالة تؤكد أن الرياضة تظل وسيلة للصمود والحفاظ على الأمل حتى في أصعب الظروف.
فلسطين… الحاضر الأبرز في مدرجات المونديال
ورغم غياب المنتخب الفلسطيني عن نهائيات كأس العالم، فإن فلسطين كانت حاضرة بقوة في مدرجات البطولة، حيث رفعت الجماهير الأعلام الفلسطينية في العديد من المباريات، ورددت هتافات داعمة للشعب الفلسطيني، في مشهد عكس اتساع رقعة التضامن الشعبي العالمي.
كما امتد هذا الحضور إلى الفعاليات الجماهيرية خارج الملاعب، حيث شهدت المدن الأمريكية المستضيفة للمونديال مسيرات ووقفات تضامنية، رُفعت خلالها الأعلام الفلسطينية، ورددت شعارات تدعو إلى إنهاء الحرب وحماية المدنيين.
المواقف السياسية وانعكاسها على التشجيع الرياضي
أظهرت بطولة كأس العالم 2026 أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن تأثير السياسة، إذ انعكست مواقف بعض الدول من القضية الفلسطينية على توجهات الجماهير في تشجيع المنتخبات.
فقد حظي المنتخب الإسباني بتعاطف واسع لدى قطاعات من الجماهير العربية، ليس فقط بسبب مستواه الفني، وإنما أيضًا نتيجة المواقف الرسمية التي اتخذتها إسبانيا تجاه القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، إلى جانب مواقفها المنتقدة للحرب والداعية إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
كما أسهمت مواقف وشخصيات رياضية وثقافية في تعزيز هذا التعاطف، وهو ما جعل كثيرًا من المشجعين ينظرون إلى المنتخب الإسباني بوصفه ممثلًا لدولة تبنت مواقف اعتبروها أكثر قربًا من الحقوق الفلسطينية.
في المقابل، تراجع التعاطف الشعبي العربي مع المنتخب الأرجنتيني لدى شريحة من الجماهير، ليس بسبب مستواه الفني أو تاريخه الكروي، وإنما نتيجة المواقف السياسية التي انتهجتها الحكومة الأرجنتينية في عهد الرئيس خافيير ميلي، والتي اتسمت بتقارب واضح مع إسرائيل ودعم معلن لها، وهو ما انعكس على مواقف بعض المشجعين خلال البطولة.
فلسطين… اللاعب الرمزي في كأس العالم
أكدت العديد من المشاهد أن فلسطين كانت حاضرة بقوة في مونديال 2026، رغم غياب منتخبها الوطني عن المنافسات. فقد ظهرت الأعلام الفلسطينية في مدرجات عدد كبير من المباريات، كما شهدت البطولة مواقف تضامنية من جماهير ولاعبين وشخصيات رياضية، في تعبير واضح عن استمرار حضور القضية الفلسطينية في الوعي العالمي.
وبذلك، لم تكن فلسطين مجرد قضية سياسية حاضرة على هامش البطولة، بل أصبحت أحد أبرز العناوين الإنسانية التي رافقت كأس العالم، لتؤكد أن الرياضة، مهما بدت منفصلة عن السياسة، تبقى مرآةً لنبض الشعوب، ومنبرًا للتعبير عن قيم العدالة والحرية والتضامن الإنساني.
خاتمة
أثبتت بطولة كأس العالم 2026 أن الرياضة ليست بمعزل عن القضايا الإنسانية الكبرى. ففي الوقت الذي احتفلت فيه جماهير العالم بأجمل لحظات كرة القدم، كان سكان غزة يعيشون واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث. وبين فرحة الملاعب وألم الضحايا، برزت فلسطين بوصفها الحاضر الرمزي الأبرز في المونديال، لتؤكد أن صوت الإنسانية يظل حاضرًا حتى في أكبر المحافل الرياضية العالمية.



