عبدالله العبيدي يكتب:” الخليج.. حين تتحول السطوة إلى سؤال”

لفتني وصف ما يحققه الخليج في كرة اليد بأنه «اكتساح وسطوة».
وصفٌ يليق بفريق أصبح حضوره في منصات التتويج مشهدًا معتادًا، وبطولاته امتدادًا لمسار من العمل والاستثمار وحسن الاختيار. وآخر الشواهد كأس السوبر السعودي، الذي أضافه الخليج إلى سلسلة إنجازاته، ليؤكد أن كرة اليد في النادي أصبحت حالة رياضية لها حضورها وشخصيتها.
وهذا النجاح يستحق الإشادة بإدارة الخليج، التي نجحت في توفير مقومات المنافسة، وبناء فريق قادر على الحضور المستمر في منصات التتويج، والأهم أنها استطاعت أن تؤسس تجربة رياضية جديرة بأن تُقرأ وتُدرس من داخل النادي نفسه.
لكن مع كل إنجاز جديد لكرة اليد، يعود الحديث طبيعيًا عن كرة القدم.
ومن هنا يأتي السؤال:
ماذا يمكن لكرة القدم أن تتعلمه من كرة اليد؟
بداية الخليج في دوري روشن تستحق التوقف. خمس جولات مضت، ثلاثة تعادلات وخسارتان، ثلاث نقاط، وهدفان في مقابل تسعة أهداف استقبلها الفريق.
أرقام تضع البداية تحت المجهر، لكنها في الوقت ذاته لا تختصر موسمًا كاملًا، فالمشوار ما زال طويلًا، والفرصة قائمة لتعديل المسار وتحسين الصورة.
وهنا تحديدًا تأتي أهمية المراجعة المبكرة؛ ليس باعتبارها نقدًا لما تحقق، وإنما باعتبارها جزءًا طبيعيًا من إدارة المنافسة، خصوصًا في موسم طويل ومتطلب مثل دوري روشن.
وفي هذا السياق تبرز تجربة كرة اليد.
فالنجاح هناك لم يأتِ من عامل واحد، وإنما من منظومة متكاملة شملت الاستقطاب، والاختيارات الفنية، والاستقرار، وتوفير الموارد، وبناء فريق يمتلك شخصية المنافس.
وهذه التجربة تستحق أن تُقرأ من داخل النادي:
كيف حُدد الاحتياج؟
كيف اختير اللاعب؟
وكيف بُني فريق قادر على المنافسة المستمرة؟
أسئلة لا تنتقص من أي تجربة أخرى، بقدر ما تبحث عن أفضل ما يمكن أن يستفيد منه النادي من خبراته الناجحة.
ومن هنا جاء حديث الإعلامي والناقد الرياضي محمد الشيخ خلال ظهوره في برنامج «روتانا سبورت مع وليد».
بدأ الشيخ بتهنئة الخليج وجماهيره، ووصف ما يحققه الفريق في كرة اليد بأنه «اكتساح وسطوة»، ثم انتقل إلى نقطة أخرى عندما أشار إلى الموارد المالية التي يستفيد منها النادي، متحدثًا عن عوائد تصل إلى 150 مليون ريال، وانعكاس ذلك على قدرة الخليج في استقطاب عناصر مميزة لكرة اليد.
ثم طرح فكرته الأساسية: لماذا لا يستفيد الخليج في كرة القدم من العيون والخبرات التي نجحت في اختيار واستقطاب لاعبي كرة اليد؟
وهنا أرى أن حديث الشيخ يستحق أن يُقرأ من زاوية إيجابية.
فهو أولًا أشاد بما حققه الخليج في كرة اليد، واحتفى بالتجربة الناجحة، ثم طرح سؤالًا لا يضع كرة اليد في مواجهة كرة القدم، وإنما يدعو كرة القدم إلى الاستفادة من تجربة ناجحة داخل النادي نفسه.
وهذه في الحقيقة إشادة مزدوجة.
إشادة بإدارة الخليج، لأنها صنعت تجربة ناجحة في كرة اليد، وإشادة بالمنهج الذي اتبعته في بناء هذا الفريق، إلى درجة أن هذه التجربة أصبحت محل ملاحظة من خارج النادي أيضًا.
فالشيخ، في جوهر حديثه، لم يتوقف عند نتيجة مباراة أو بطولة، وإنما نظر إلى الأدوات التي صنعت النجاح.
معرفة الاحتياج، قراءة السوق، اختيار اللاعب المناسب، والاستفادة من الكفاءات التي تعرف كيف تبني فريقًا منافسًا.
وهذه عناصر أثبتت كرة اليد داخل الخليج قدرتها على التعامل معها بنجاح.
لذلك فإن الإشادة بالإدارة هنا لا تتعارض مع ملاحظة محمد الشيخ، بل تلتقي معها.
فحين ينجح قسم أو لعبة داخل النادي، تصبح تجربته رصيدًا معرفيًا للنادي بأكمله، ويصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال: كيف يمكن نقل هذا النجاح، أو بعض أدواته، إلى بقية الألعاب؟
وهذا هو الجانب الذي أعتقد أنه يستحق التوقف عنده في حديث الشيخ.
أما كرة القدم، فبدايتها تمنح الإدارة فرصة للمراجعة الهادئة.
خمس جولات تحمل مؤشرات تستحق الدراسة، والموسم ما زال في بدايته. المطلوب قراءة الأرقام، مراجعة الاختيارات، ومعالجة مكامن الخلل بالسرعة التي تفرضها المنافسة، مع الاستفادة من كل تجربة ناجحة يملكها النادي.
وهنا تحديدًا تصبح تجربة كرة اليد مصدر قوة، لا مجرد تجربة منفصلة.
فالنادي الذي استطاع أن يصنع فريقًا بطلاً في كرة اليد، يملك داخل مؤسساته معرفة وتجربة وكفاءات يمكن أن تكون جزءًا من تطوير بقية الألعاب، مع إدراك أن لكل لعبة طبيعتها واحتياجاتها وظروفها.
ويأتي ملف الفئات السنية في السياق ذاته.
فالاستثمار في اللاعب الصغير يمكن أن يصنع قيمة فنية واقتصادية مستدامة. لاعب يتدرج داخل النادي، يحمل هويته، ويصل إلى الفريق الأول، ثم يصبح في بعض الحالات قيمة فنية واستثمارية تعود بالنفع على النادي.
وهذا مشروع يستحق مزيدًا من الاهتمام، خصوصًا أن الخليج يملك تجربة رياضية يمكن البناء عليها وتطويرها.
محمد الشيخ، من هذه الزاوية، لم يكن يضع كرة اليد أمام كرة القدم ليقارن بينهما، وإنما كان يضع نجاح كرة اليد أمام كرة القدم كفرصة للتعلم.
وهذا فرق مهم.
فالنقد قد يكتفي بالإشارة إلى الخلل، أما الملاحظة التي تفتح باب الاستفادة من تجربة ناجحة فهي أقرب إلى قراءة مستقبلية لما يمكن أن يكون عليه النادي.
والخليج اليوم يملك ما يؤهله لذلك.
إدارة استطاعت أن تصنع النجاح في كرة اليد، وتجربة أصبحت حاضرة في المنافسة والبطولات، وجماهير ترفع سقف الطموح، وألعاب مختلفة يمكن أن تستفيد من الخبرات المتراكمة داخل النادي.
ويبقى التحدي في تحويل هذا النجاح من إنجاز في لعبة إلى ثقافة داخل النادي.
فإذا كانت كرة اليد قد وصلت إلى مرحلة «الاكتساح والسطوة»، فإن السؤال ليس لماذا لا تكون كرة القدم مثلها، بل:
كيف يمكن لكرة القدم أن تستفيد من الطريق الذي نجحت كرة اليد في قطعه؟
وهنا يصبح حديث محمد الشيخ أقرب إلى جرس تنبيه إيجابي، لا إلى انتقاص من أحد.
تنبيه يقول إن النجاح موجود داخل النادي، والتجربة موجودة، والقدرات موجودة، وربما حان الوقت للاستفادة منها بأوسع صورة ممكنة.
جماهير الخليج تبحث في النهاية عن صورة واحدة لناديها؛ فريق ينافس في الملعب، وآخر يحصد البطولات في الصالة، وفئات سنية تصنع المستقبل.
والخليج يملك اليوم مقومات هذه الصورة.
فنجاح كرة اليد يُحسب للإدارة، وملاحظة محمد الشيخ تُحسب له بوصفه التقط قيمة هذه التجربة ودعا إلى الاستفادة منها.
وبين الإشادة والملاحظة يبرز المعنى الأهم:
النجاح الحقيقي ليس أن تهيمن في لعبة واحدة، بل أن تجعل من نجاحك في لعبة نقطة انطلاق لنجاحات أخرى.
وهنا تصبح «السطوة» أكثر من وصف لكرة اليد.
تصبح سؤالًا عن قدرة الخليج على نقل فكرة النجاح من لعبة إلى أخرى، وتحويل الخبرة المتراكمة إلى مشروع رياضي متكامل.
فربما لم يكن محمد الشيخ يضع كرة اليد في مواجهة كرة القدم، بقدر ما كان يضع نجاح الأولى أمام الثانية لتتعلم منها.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الأهم في حديثه.
السطوة بدأت في الصالة، والسؤال الآن: متى تظهر آثارها في الملعب؟



