أنور كوثراني يكتب:” كأس العالم على طاولة الاستثمار: رهان إنفانتينو بـ20 مليار دولار على مستقبل كرة القدم”

فيفا تسميه مشروعاً لتنمية اللعبة، ومعارضوه يخشون أن يكون بداية لخصخصتها. أما المعركة الحقيقية فتدور حول من يملك القرار عندما يدخل رأس المال الخاص إلى القلب التجاري لكأس العالم.
بعد أيام قليلة فقط من إسدال الستار على كأس العالم 2026، بدأت مواجهة جديدة قد تكون أكثر تأثيراً في مستقبل كرة القدم من أي مباراة حُسمت داخل المستطيل الأخضر.
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، طرح مشروعاً لإنشاء كيان تجاري جديد يحمل اسم FIFA Forward Enterprise، أو «فيفا فوروارد إنتربرايز»، يتولى جمع وإدارة أبرز الأنشطة التجارية المرتبطة بفيفا، بما فيها حقوق البث، والرعاية، والترخيص، والتذاكر، والضيافة، والعمليات التنظيمية للبطولات.
ووفق التصور المعلن، تبلغ القيمة التقديرية للكيان الجديد نحو 20 مليار دولار، فيما تسعى فيفا إلى جمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار من خلال بيع حصص أقلية غير مسيطرة لمستثمرين خارجيين، قد تصل في مجموعها إلى 20 في المئة.
وتؤكد فيفا أنها ستبقى المالك الدائم للأغلبية، وأنها ستحتفظ وحدها بالسلطة الكاملة على قوانين اللعبة، ونظام المسابقات، والروزنامة الدولية، واختيار أشكال البطولات، وجميع القرارات الرياضية.
من السهل، أمام هذه الأرقام، وصف المشروع بأنه «بيع لكأس العالم».
قانونياً، هذا الوصف ليس دقيقاً بالكامل. فيفا لا تعرض الكأس للبيع، ولا تتنازل عن اسم البطولة، ولا تمنح المستثمرين حق تحديد المنتخبات المتأهلة أو تعيين الحكام.
لكن اقتصادياً، فإنها تقترح منح رأس المال الخاص حصة في المحرك التجاري الذي يمنح كأس العالم قيمته المالية الهائلة: حقوق البث العالمية، والرعاية، والتذاكر، والضيافة، والترخيص، وتشغيل البطولات.
وهنا تكمن جوهر المسألة.
السؤال الحاسم ليس ما إذا كان المستثمرون سيعيدون كتابة قوانين اللعبة أو يتدخلون مباشرة في التحكيم، بل ما إذا كان من الممكن حقاً فصل من يستثمر مليارات الدولارات في أعمال كأس العالم عن القرارات التي تحدد حجم أرباح تلك الأعمال ومستقبلها.
من التسويق التجاري إلى تحويل اللعبة إلى أصل مالي
كرة القدم خضعت للتسويق التجاري منذ عقود.
الشركات تدفع مقابل ربط علاماتها بالبطولات، والقنوات تشتري حقوق النقل التلفزيوني والرقمي، والجماهير تقتني التذاكر والمنتجات الرسمية وباقات الضيافة.
لكن المشروع الجديد يذهب إلى أبعد من ذلك.
فالمستثمر الخارجي لن يكون راعياً يدفع لفترة محددة، بل سيملك حصة اقتصادية مستمرة في الشركة التي تتولى استثمار وتطوير الأنشطة التجارية لفيفا.
وبذلك، لا يعود دخل كأس العالم المستقبلي مجرد إيراد تنتجه البطولة، بل يتحول إلى أصل مالي يمكن تقييمه وامتلاك جزء منه وانتظار العائد منه.
وهنا تنتقل كرة القدم من مرحلة التسويق التجاري إلى مرحلة أعمق يمكن وصفها بـ«الأمْوَلة»؛ أي تحويل مستقبل الإيرادات الرياضية إلى منتج استثماري له قيمة وسعر وعوائد متوقعة.
لا يوجد مستثمر يضع مليارات الدولارات بدافع الحب المجرد للعبة. المستثمر يريد نمواً، وأرباحاً، وتوزيعات مالية، وارتفاعاً في قيمة حصته.
وتقول فيفا إن الحصص ستكون غير مسيطرة. لكن عدم السيطرة لا يعني بالضرورة غياب التأثير.
فالمساهم الأقلية قد يطالب بمقعد في مجلس الإدارة، أو بحق الاطلاع على المعلومات الاستراتيجية، أو بضمانات تعاقدية، أو بحقوق استشارية تحمي قيمة استثماره من القرارات التي قد تقلل الإيرادات.
وقد لا يظهر التأثير منذ البداية في القرارات الرياضية المباشرة. بل قد يظهر من خلال الضغط من أجل مزيد من المحتوى التجاري: بطولات أكبر، مباريات أكثر، أسواق استضافة أعلى ربحية، اشتراكات رقمية مميزة، توسع في الضيافة، وزيادة في أسعار التذاكر.
فالنفوذ التجاري لا يحتاج دائماً إلى صوت رسمي داخل غرفة القرار. أحياناً يكفي أن تصبح الأرباح المتوقعة جزءاً دائماً من كل نقاش.
حجة التنمية: أقوى أوراق إنفانتينو
أقوى ما في طرح إنفانتينو هو حديثه عن عدم المساواة في توزيع ثروة كرة القدم.
الدوريات الأوروبية الكبرى والأندية الأكثر نجاحاً تجني مليارات الدولارات من البث والرعاية والتسويق، في حين لا تزال اتحادات وطنية كثيرة تفتقر إلى مراكز تدريب مناسبة، وأكاديميات حديثة، ودوريات نسائية محترفة، ومنشآت إقليمية، وبرامج تطوير للمدربين والحكام.
وتقول فيفا إن المشروع قد يدعم أكثر من 10 مليارات دولار من تمويل التنمية الكروية.
وبموجب التصور المطروح، يمكن لكل اتحاد من اتحادات فيفا الـ211 الحصول على ما يصل إلى 20 مليون دولار كتمويل استثنائي لمشروعات خاصة، إضافة إلى 20 مليون دولار ضمن برنامج فيفا فوروارد للفترة من 2027 إلى 2030.
وكان المبلغ المدرج سابقاً للدورة نفسها لا يتجاوز 8 ملايين دولار، على أن ترتفع مخصصات الدورات التالية إلى 22 مليوناً ثم 24 مليون دولار.
بالنسبة إلى اتحاد ثري، قد تكون هذه الأموال مفيدة.
أما بالنسبة إلى دولة صغيرة أو اتحاد محدود الموارد، فقد تكون تحولاً تاريخياً.
يمكن لهذه الأموال أن تنشئ مركزاً فنياً وطنياً، أو تمول أكاديميات إقليمية، أو تطلق دورياً نسائياً، أو تطور تعليم المدربين والحكام، أو ترفع مستوى الطب الرياضي وعلوم الأداء، أو توفر مرافق أفضل للأطفال والناشئين.
لهذا السبب، لا يجوز رفض المشروع تلقائياً لمجرد أنه يتضمن استثماراً خاصاً.
هناك حجة تنموية حقيقية ومشروعة.
فإذا أُدير المشروع بشفافية، فقد يعيد توزيع جزء من ثروة اللعبة على بلدان ظلت لعقود خارج الأسواق الأكثر ربحية، ويساعدها على بناء منظومة كروية مستدامة بدلاً من انتظار ظهور جيل استثنائي بالصدفة.
لكن المال وحده لا يصنع التنمية.
من دون خطط واضحة، ومشتريات شفافة، ورقابة مستقلة، ونتائج قابلة للقياس، قد تتحول الملايين إلى ملاعب أكبر من الحاجة، أو عقود متضخمة، أو نفقات إدارية، أو مشروعات مسيسة لا تترك أثراً طويل الأجل.
يمكن للمشروع أن يجعل موارد كرة القدم أكثر عدالة.
لكنه قد يجعل الاتحادات الصغيرة أيضاً أكثر اعتماداً على القيادة المركزية لفيفا.
والاحتمالان يستحقان الفحص.
من المستفيد الأكبر؟
تعتمد الإجابة على زاوية النظر: هل نتحدث عن التنمية الفورية، أم العائد المالي الطويل الأجل، أم النفوذ السياسي؟
الاتحادات الصغيرة قد تكون المستفيد الأكثر وضوحاً في المدى القصير. فبالنسبة إلى البلدان التي لا تمتلك سوقاً كبيرة للبث أو الرعاية، يمكن للمبالغ المقترحة أن تغير بنيتها التحتية الكروية لجيل كامل.
أما المستثمرون، فقد يصبحون المستفيد المالي الأكبر على المدى البعيد. فهم سيحصلون على حصة في نشاط مرتبط ببطولات دورية، وجمهور عالمي ضخم، ورعاة معروفين، وقدرة كبيرة على التوسع التجاري.
فيفا ستستفيد مؤسسياً أيضاً.
ستحصل على مليارات الدولارات فوراً مع احتفاظها بالأغلبية، وستدير في الوقت نفسه مجموعة أكبر من الأموال التي توزع على اتحاداتها الأعضاء.
قد يعزز ذلك قدرة فيفا على تنمية اللعبة عالمياً، لكنه قد يعزز كذلك النفوذ السياسي لقيادتها.
ويشارك بنك جي بي مورغان في تقديم المشورة بشأن الهيكل المقترح، فيما أشارت تقارير إلى وجود مستثمرين محتملين من بينهم شركة ثرايف إترنال المرتبطة بجوشوا كوشنر.
أما اللاعبون والجماهير، فنتائج المشروع بالنسبة إليهم أقل وضوحاً.
قد يستفيد المشجعون من تحسين التنظيم والتجربة الجماهيرية والبنية التحتية. لكنهم قد يواجهون أيضاً ارتفاعاً في أسعار التذاكر، وزيادة في باقات الضيافة المميزة، وتراجعاً في المحتوى المجاني أو المتاح عبر البث المفتوح.
وقد يدفع اللاعبون الثمن بدنياً إذا أدت توقعات المستثمرين إلى المزيد من المسابقات والمباريات.
وحذرت «فيفبرو أوروبا» من أن تحويل بطولات فيفا إلى أصول استثمارية قد يغير بصورة جذرية الحوافز التي تحدد شكل البطولات وظروف عمل اللاعبين.
وهكذا، قد تحصل الاتحادات على الأموال اليوم، بينما يتحمل اللاعبون والمشجعون جزءاً من التكلفة التجارية غداً.
المعارضة لا تقتصر على أوروبا
أصدر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، «يويفا»، أشد المواقف انتقاداً، معتبراً أن فيفا تتجاوز خطاً فاصلاً عندما تتعامل مع هوية كرة القدم وحوكمتها وبطولاتها باعتبارها أصولاً تجارية قابلة للاستثمار.
كما أعربت اتحادات إنجلترا وفرنسا والدنمارك والسويد وهولندا ورومانيا عن اعتراضات أو مخاوف جدية تتعلق بالشفافية، والتشاور، وغياب المعلومات الكافية.
وحذر مسؤولون ألمان أيضاً من أن المشروع قد يتجاوز حدوداً لا ينبغي تجاوزها.
لكن القضية ليست مجرد مواجهة بين فيفا وأوروبا.
فقد أعلن اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي، «كونكاكاف»، أن خططاً متقدمة نُشرت قبل إجراء مناقشة مناسبة مع المؤسسات والجهات المعنية بحوكمة كرة القدم.
كما أكد الاتحاد الآسيوي لكرة القدم ضرورة منح الاتحادات وقتاً ومعلومات كافية لدراسة الأبعاد القانونية والتجارية والاستراتيجية والحوكمية للمشروع.
وهكذا، تمتد الاعتراضات أو التحفظات عبر ثلاث قارات كروية على الأقل: أوروبا وآسيا وكونكاكاف.
وهذه نقطة مهمة لأنها تنسف القراءة المبسطة التي تقول إن الاتحادات الأوروبية الغنية تحاول فقط منع الدول النامية من الحصول على أموال إضافية.
فالاتحاد الآسيوي وكونكاكاف يضمان عدداً كبيراً من الاتحادات التي قد تستفيد بقوة من الحزمة المالية المقترحة، ومع ذلك عبّرا عن قلقهما من طريقة إعداد المشروع وإعلانه.
الخلاف الحقيقي إذاً ليس بين الأغنياء والفقراء فقط.
بل بين إغراء التمويل التنموي الفوري، وضرورة ضمان الحوكمة السليمة قبل فتح البنية التجارية لكأس العالم أمام الملكية الخاصة.
التشيك: أول شرخ ظاهر في الموقف الأوروبي
قد تكون المعارضة الأوروبية واسعة، لكنها ليست موحدة بالضرورة.
دافيد تروندا، رئيس الاتحاد التشيكي لكرة القدم، قدم أكثر المواقف الأوروبية إيجابية تجاه المشروع حتى الآن. فقد أشار إلى وجود فوائد عملية محتملة لكرة القدم التشيكية من التعاون الوثيق مع إدارة إنفانتينو، ورأى أن توجه فيفا قد يحمل أثراً إيجابياً.
لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الحصول على تفاصيل إضافية، وأوضح أن حديثه يمثل رأياً شخصياً، وليس تأييداً رسمياً نهائياً من الاتحاد التشيكي.
مع ذلك، يظل موقفه مهماً.
فهو يشير إلى أن الاتحادات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة قد تنظر إلى المشروع بصورة مختلفة عن الاتحادات صاحبة الدوريات والأسواق الأكثر ثراء.
بالنسبة إلى تلك الاتحادات، قد توفر أموال فيفا مراكز فنية، وبرامج للناشئين، ومشروعات للبنية التحتية يصعب تمويلها من الإيرادات الوطنية وحدها.
وقد تتخذ اتحادات أخرى في وسط أوروبا وشرقها وجنوب شرقها مواقف براغماتية مشابهة، خصوصاً إذا كانت ترى أن النظام الكروي الأوروبي الحالي يمنح النسبة الأكبر من الثروة للدول والدوريات والأندية الكبرى.
من هنا، يكشف الموقف التشيكي نقطة ضعف محتملة في استراتيجية يويفا.
فأوروبا تملك ثقلاً اقتصادياً ورياضياً هائلاً، لكن الحفاظ على وحدة سياسية كاملة قد يصبح صعباً عندما تُعرض على الاتحادات فرص تنموية ذات قيمة وطنية كبيرة.
هل يستطيع إنفانتينو تمرير المشروع بمفرده؟
لا.
تضم فيفا 211 اتحاداً وطنياً، ولكل اتحاد صوت واحد في الكونغرس. ويحتاج المشروع إلى موافقة أغلبية الأعضاء، إضافة إلى الاعتمادات المطلوبة من مجلس فيفا المكون من 37 عضواً.
لذلك لا يستطيع إنفانتينو فرض المشروع بسلطته الرئاسية وحدها.
لكن السلطة الدستورية شيء، والنفوذ السياسي شيء آخر.
حددت فيفا 19 سبتمبر 2026 موعداً نهائياً أمام الاتحادات لتحديد رغبتها في المشاركة والاستفادة من التمويل الاستثنائي ضمن برنامج «فاست فوروارد».
أما الاتحادات التي لا تؤيد المشروع، فتبقى ضمن حزمة التمويل الأصغر التي كانت مقررة سابقاً.
هذا لا يثبت أن الأصوات تُشترى بالمعنى الحرفي.
فالأموال ستذهب إلى الاتحادات والمشروعات الكروية، وليس إلى رؤسائها بصورة شخصية.
لكن ربط قرار هيكلي طويل الأجل بفرصة مالية فورية يخلق نفوذاً سياسياً واضحاً.
الاتحاد الثري يستطيع رفض المشروع من دون تعريض منظومته المحلية للخطر.
أما الاتحاد الفقير، فقد يشعر بأن رفضه يعني التخلي عن أكاديميات وملاعب وفرص يحتاجها لاعبوه وناشئوه بشدة.
قد تكون عملية التصويت ديمقراطية من حيث الشكل، لكنها ليست متساوية في حجم الضغوط التي يواجهها المصوتون.
إنفانتينو لا يملك أصوات الاتحادات.
لكن دور فيفا بوصفها مصدراً أساسياً للتمويل يمنح قيادتها قدرة كبيرة على تشكيل الظروف التي تُتخذ فيها القرارات.
ماذا تكشف مراجعة مستقلة للمواقف المعلنة؟
تكشف مراجعة مكتبية أُعدت لهذا المقال، وشملت إعلان فيفا والمواقف الرسمية والتصريحات الوطنية المتاحة، عن ظهور ثلاث كتل سياسية محتملة.
الكتلة الأولى تضم اتحادات ترفض من حيث المبدأ دخول رأس المال الخاص إلى البنية التجارية لفيفا.
الكتلة الثانية تضم اتحادات تنجذب إلى حجم التمويل التنموي المقترح، وقد تكون مستعدة لدعم المشروع.
أما الكتلة الثالثة، وربما تكون الحاسمة، فتضم اتحادات يمكن أن تقبل نسخة معدلة من المشروع، بشرط تقديم إفصاح كامل، وضمانات ملزمة، وحدود دائمة لنفوذ المستثمرين.
وتكشف المراجعة أيضاً عن فجوة أساسية بين تطمينات فيفا والمعلومات المتاحة للرأي العام.
فيفا تقول إنها ستحتفظ بالسيطرة الكاملة، وإن المستثمرين لن يمتلكوا سوى حصص أقلية غير مسيطرة.
لكن الإعلان العام لا يتضمن النص الكامل لاتفاقية المساهمين، ولا حقوق المستثمرين، ولا تركيبة مجلس الإدارة، ولا منهجية التقييم، ولا شروط الخروج، ولا القيود المفروضة على بيع حصص إضافية مستقبلاً.
هذه ليست تفاصيل قانونية هامشية.
إنها العناصر التي ستحدد ما إذا كان المستثمرون سيظلون شركاء ماليين صامتين، أم سيحصلون على نفوذ فعلي في توجيه النشاط التجاري للكيان الجديد.
حتى تُنشر هذه الوثائق، يُطلب من عالم كرة القدم تصديق وعد من دون أن يُسمح له بفحص الآلية القانونية التي يفترض أن تضمنه.
وهذه هي فجوة الحوكمة الأساسية في المشروع.
أي المناطق قد تدعم الخطة؟
من غير المسؤول الجزم بموقف دولة أو اتحاد قبل إعلانه رسمياً.
لكن الاتجاهات العامة قابلة للقراءة.
قد يكون الدعم أقوى بين الاتحادات التي تعتمد بصورة كبيرة على تمويل فيفا، ولا تمتلك إيرادات كبيرة من البث المحلي، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
وقد يشمل ذلك عدداً كبيراً من اتحادات أفريقيا وأوقيانوسيا والكاريبي وأجزاء من آسيا، إضافة إلى بعض الاتحادات الأوروبية الصغيرة التي قد تفضل تعديل المشروع على رفضه بالكامل.
أما المعارضة الأقوى، فمن المرجح أن تصدر عن الاتحادات التي تملك دوريات قوية، وإيرادات مستقلة، واعتماداً أقل على تمويل فيفا.
لكن الخريطة السياسية لا يمكن اختزالها في عبارة «أوروبا ضد بقية العالم».
الاتحاد الآسيوي وكونكاكاف اعترضا على طريقة إدارة الملف، فيما أظهرت تصريحات رئيس الاتحاد التشيكي أن أوروبا نفسها قد لا تتحدث بصوت واحد.
وقد تحسم النتيجة مجموعة من الاتحادات التي تؤيد زيادة تمويل التنمية، لكنها ترفض الموافقة قبل الحصول على ضمانات قانونية وحوكمية أقوى.
هل تقاطع أوروبا كأس العالم؟
دخلت فكرة المقاطعة في النقاش، لكن لا يوجد حتى الآن اتحاد أوروبي أعلن رسمياً الانسحاب من بطولة مقبلة لكأس العالم.
مع ذلك، يملك التهديد وزناً حقيقياً.
يويفا لا يملك سوى 55 صوتاً من أصل 211، لكنه يمثل عدداً كبيراً من أقوى المنتخبات والأندية واللاعبين والقنوات والرعاة والأسواق التجارية في العالم.
وتحتاج فيفا إلى الحضور الأوروبي كي تحافظ بطولاتها على أعلى قيمة رياضية وتجارية.
لكن أوروبا ستدفع ثمناً باهظاً أيضاً.
قد يُحرم اللاعبون من الفرصة الوحيدة في مسيرتهم للمشاركة في كأس العالم، وتخسر الاتحادات إيراداتها، وتثار نزاعات مع الرعاة والناقلين، وتدفع الجماهير ثمن خلاف لم تصنعه.
لهذا تبقى المقاطعة الشاملة ممكنة نظرياً، لكنها غير مرجحة ما لم تمضِ فيفا في المشروع من دون تشاور حقيقي، أو تمنح المستثمرين صلاحيات تتجاوز الاستثمار السلبي.
أما أدوات المقاومة الأكثر واقعية، فتشمل تأجيل القرار، وطلب مراجعات قانونية ومالية مستقلة، والطعن المؤسسي، وعدم دعم إنفانتينو مستقبلاً، ومعارضة المزيد من توسع البطولات.
حالياً، يجب فهم التهديد بالمقاطعة باعتباره وسيلة ردع اقتصادية.
يويفا يذكر فيفا بأن إنفانتينو قد يستطيع بناء أغلبية عددية، لكن أوروبا لا تزال توفر نسبة كبيرة من القيمة التنافسية والتجارية لكأس العالم.
خمس خطوات يجب على كل اتحاد اتخاذها قبل التصويت
قبل دعم المشروع أو رفضه، على كل اتحاد وطني اتخاذ خمس خطوات أساسية.
1. المطالبة بالإفصاح الكامل
يجب طلب اتفاقية المساهمين، ومنهجية التقييم، وهوية المستثمرين، والملكية المستفيدة النهائية، وتركيبة مجلس الإدارة، وحقوق المستثمرين، وشروط الخروج، والقيود على بيع حصص مستقبلية.
2. تكليف جهة مستقلة بالمراجعة
يجب أن يدرس المشروع خبراء قانونيون وماليون ومتخصصون في الحوكمة، على أن يكونوا مستقلين عن فيفا والمستثمرين المحتملين وقيادة الاتحاد المحلي.
وينبغي أن تقارن الدراسة بين التمويل الفوري الذي سيحصل عليه الاتحاد، والقيمة الطويلة الأجل للإيرادات التي ستتقاسمها فيفا مع المستثمرين.
3. وضع خطوط حمراء غير قابلة للتفاوض
يجب أن تمنع ضمانات قانونية ملزمة أي تأثير للمستثمرين على:
– عدد مرات إقامة كأس العالم أو توسيعها؛
– أنظمة البطولات؛
– الروزنامة الدولية؛
– اختيار الدول المستضيفة؛
– سلامة اللاعبين وقواعد تسريحهم؛
– أسعار التذاكر وإمكانية وصول الجماهير؛
– البث المجاني والمفتوح؛
– بطولات النساء والفئات السنية؛
– أي زيادة مستقبلية في الملكية الخاصة.
التطمينات الإعلامية لا تكفي. يجب تثبيت هذه الضمانات في الوثائق الحاكمة للشركة.
4. إجراء مشاورات وطنية ونشر خطة استثمار
ينبغي للاتحاد التشاور مع الدوريات والأندية واللاعبين والمدربين وممثلي كرة القدم النسائية والجماهير.
كما يجب نشر خطة واضحة لكيفية إنفاق أي تمويل إضافي، تتضمن الأهداف والجداول الزمنية وإجراءات الشراء والرقابة المستقلة.
يجب أن تتحول الأموال إلى استثمار وطني في كرة القدم، لا إلى مكافأة إدارية لقيادة الاتحاد.
5. إعلان القرار وتحمل مسؤوليته
على كل اتحاد أن يوضح علناً ما إذا كان يؤيد المشروع أو يرفضه أو يقبله بشروط.
ويمكن أن يكون الموقف المسؤول على النحو الآتي:
«نحن نؤيد زيادة تمويل تنمية كرة القدم عالمياً، لكن الموافقة على «فيفا فوروارد إنتربرايز» يجب أن تبقى مشروطة بالإفصاح الكامل، والتقييم المستقل، والحدود الدائمة للملكية الخاصة، والحماية القانونية الملزمة للقرارات الرياضية.»
وإذا لم تقدم فيفا الوثائق المطلوبة والوقت الكافي لدراستها، فينبغي تأجيل القرار.
المبدأ بسيط:
لا ينبغي للاتحادات أن تصوت فقط على حجم المال الذي ستحصل عليه، بل على نظام الملكية والنفوذ والمساءلة الذي سترثه كرة القدم العالمية.
أي مستقبل ينتظر اللعبة؟
تقف كرة القدم أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول هو التسوية المسؤولة.
تنشئ فيفا الكيان الجديد، لكنها تنشر الاتفاقات كاملة، وتفرض سقفاً دائماً للملكية الخاصة، وتحمي استقلال القرار الرياضي، وتمنح اللاعبين والجماهير والاتحادات القارية تمثيلاً حقيقياً.
في هذه الحالة، يمكن للمشروع أن يوفر رأس مال للتنمية من دون التنازل عن سلطة كرة القدم.
السيناريو الثاني هو التوسع التجاري المتسارع.
ينجح الكيان مالياً، فتزداد البطولات والمباريات والمنتجات الرقمية، ويصبح اختيار الأسواق المستضيفة مرتبطاً أكثر بالعائد التجاري.
ترتفع الإيرادات، لكن قد ترتفع معها أسعار التذاكر، وإرهاق اللاعبين، وازدحام الروزنامة، والصدام مع البطولات المحلية والقارية.
السيناريو الثالث هو المواجهة المؤسسية.
تمضي فيفا في المشروع من دون توافق كافٍ، فتنسق يويفا وأطراف أخرى مقاومة سياسية وقانونية وتجارية.
قد لا يؤدي ذلك إلى انقسام فوري في كرة القدم العالمية، لكنه قد يخلق صراعاً طويلاً بين الأغلبية العددية داخل فيفا والقوة الاقتصادية الأوروبية.
وسيتحدد السيناريو الذي ينتصر وفقاً لشكل الاتفاق النهائي وشفافية العملية.
الحكم النهائي
المبدأ الذي يستند إليه مشروع إنفانتينو ليس غير منطقي.
يجب توزيع ثروة كرة القدم بعدالة أكبر. وتستحق الدول الصغيرة منشآت وخبرات وفرصاً مماثلة لتلك المتاحة في الدول الغنية. كما يمكن للاستثمار الخاص أن يدعم الابتكار والتنمية.
لكن فيفا عرضت المشروع بالترتيب الخاطئ.
أعلنت المكاسب المالية قبل بناء الثقة في الحوكمة.
وعرضت على الاتحادات ملايين الدولارات قبل نشر الحماية التعاقدية الكاملة.
وطلبت الدعم لتغيير هيكلي قد يستمر لأجيال قبل إجراء تشاور مناسب مع الاتحادات القارية والوطنية واللاعبين والأندية.
قبل أي موافقة، يجب على فيفا الكشف عن هوية المستثمرين، والحقوق التي سيملكونها، والطريقة التي سيحققون بها عوائدهم، وما إذا كان أي مسؤول في فيفا قد يستفيد شخصياً من الهيكل الجديد.
ويجب أن توجد ضمانات ملزمة تمنع المستثمرين من التأثير على عدد البطولات، أو أنظمتها، أو اختيار المستضيفين، أو الروزنامة، أو أسعار التذاكر، أو إتاحة البث.
كما يجب أن يكون سقف الملكية الخاصة دائماً، وألا تُباع حصص إضافية إلا عبر قرار جديد وشفاف من أعضاء فيفا.
القيمة التجارية لكأس العالم نابعة من شيء أكبر من التجارة: الهوية الوطنية، والذاكرة الجماعية، وعدم اليقين الرياضي، والارتباط العاطفي لمليارات البشر.
فيفا تدير هذا الإرث، لكنها لم تصنعه وحدها، ولا يحق لها التعامل معه كما لو كان منتجاً تجارياً عادياً.
الخطر الأكبر ليس أن يتدخل المستثمرون غداً في قوانين اللعبة.
الخطر هو أن يبدأ كل قرار مستقبلي في كرة القدم بالخضوع لسؤال واحد جديد:
هل سيزيد هذا القرار من قيمة الشركة؟
زيادة المنتخبات تعني مباريات أكثر.
والمباريات الأكثر تعني ساعات بث إضافية.
وساعات البث الإضافية تعني مزيداً من الإيرادات.
لكن المزيد ليس دائماً أفضل لكرة القدم.
لا يستطيع إنفانتينو تمرير المشروع بمفرده. إلا أن سيطرته على أجندة فيفا ومواردها التنموية تمنحه نفوذاً كبيراً في بناء الأغلبية التي يحتاجها.
وهذا يضع مسؤولية تاريخية على عاتق الاتحادات الـ211.
فهي لا تقرر فقط ما إذا كانت بلدانها ستحصل على ملايين الدولارات.
بل تقرر ما إذا كان رأس المال الخاص سيدخل إلى القلب التجاري لكأس العالم، وما إذا كانت كرة القدم ستبقى قادرة على التحكم فيه بعد فتح الباب.
قد يمول مشروع إنفانتينو مستقبل اللعبة العالمية.
لكن من دون شفافية، وحدود ملزمة، ورقابة مستقلة، قد يبيع جزءاً من ذلك المستقبل قبل أن يفهم عالم كرة القدم الثمن الكامل.


