البرامج الرياضية.. بين التأثير وتعارض المصالح

حين يمتلك طرف في المنافسة الرياضية منبرًا إعلاميًا لا يمكن إعتبار المسألة مجرد استثمار في الإعلام.
هنا تختلط الملكية بالتأثير، وتصبح الشاشة مساحة محتملة للتأثير في المنافسين، وصناعة الصورة الذهنية، وتوجيه مزاج الجماهير. وهذه منطقة لا يكفي فيها الحديث عن حرية الاستثمار، لأن الإعلام الرياضي ليس سلعة محايدة، إنه قوة تصنع الرأي، وتستطيع أن ترفع قضية إلى الواجهة أو تدفنها، وأن تجعل من حدث عابر أزمة جماهيرية.
الأكثر خطورة أن يتحول البرنامج الرياضي إلى منبر موجه. جمهور في مواجهة جمهور، ونادٍ في مواجهة نادٍ، وإثارة غير محمودة لا تنتهي إلا لتعود في الحلقة التالية بإثارة أخرى.
وهنا لا أتحدث عن الإثارة المحمودة، أرمي إلى تحويل التعصب إلى مادة إعلامية.
أن تستضيف المختلفين وتفتح الملفات الساخنة أمر، وأن تبني البرنامج على الاستفزاز والاصطفاف وإشعال المدرجات أمر آخر. وعندما يصبح نجاح البرنامج مرتبطًا بقدرته على استفزاز جماهير نادٍ ضد نادي، فنحن أمام إعلام يستثمر في الإستفزاز وصنع الخلافات.
وهنا يجب أن تتدخل الضوابط المهنية.
ليس المطلوب إعلامًا بلا رأي، ولا برامج بلا جرأة، وإنما إعلام يعرف أين ينتهي النقد وتبدأ الإساءة، وأين ينتهي الاختلاف ويبدأ التحريض.
والأهم أن تكون هناك مسافة واضحة بين من يملك مصلحة في الملعب ومن يملك منبرًا يتحدث عن الملعب.
فالبرنامج الذي يخاطب جميع الجماهير لا يمكن أن يتصرف كأنه مدرج لنادٍ واحد، والمقدم الذي يحمل ميكروفونًا لا يحمل شال مشجع.
قد يربح الإعلام معركة المشاهدات بالصوت الأعلى، والعنوان الأكثر استفزازًا، والجدل الأكثر اشتعالًا، ليس لأنه ناجح، ولكن لأنه يقتات على مشاعر الجماهير.
نحن بحاجة إلى إعلام رياضي يرفع مستوى المنافسة، لا مستوى التعصب، يصنع النقاش لا الخصومة، ويملك الجرأة على نقد الجميع وليس القدرة على إستهداف البعض.
فالمدرج مكان الانحياز لناديك، أما الشاشة فضوابط المهنة يجب أن تكون هي سيد الموقف.
أتفهم أن الرياضة في النهاية تحتاج إلى جماهير تنحاز لأنديتها، لكنها تحتاج إلى إعلام متزن. المدرج له عاطفته، أما المايك فله مسؤوليتها، وإذا اختلط الاثنان فقد نخسر المعنى الحقيقي للمنافسة.
الإعلام الرياضي ليس مطالبًا بأن يكون بلا صوت، لكنه مطالب بأن يعرف قيمة الصوت الذي يملكه. فالكلمة التي تقال على الشاشة لا تنتهي بانتهاء الحلقة، وقد تمتد إلى المدرجات، وتنتقل إلى الجماهير، وتتحول من رأي إلى موقف، ومن موقف إلى خصومة.
لهذا، فإن قوة الإعلام لا تقاس بقدرته على إشعال المدرجات، وإنما بقدرته على رفع رتم المنافسة وتحدي المتنافسينم، وعلى أن يبقى فوق المنافسة لا جزءًا منها.
فالمدرجات تحتاج إلى حماس، والبرامج تحتاج إلى مهنية، وحين تتقدم الإثارة على المهنية، يصبح الإعلام طرفًا في المنافسة بدلاً من
أن يكون شاهدًا عليها.
ومضة: كل ماقلت هانت جدّ علم جديد



