مقالات رأي

لعنة القدم…. والألعاب المختلفة

 

في ذروة الحراك الرياضي التاريخي، والتدفق المالي الذي أعاد رسم خريطة الرياضة بأسرها، تقف ألعاب الصالات الجماعية كرة اليد، السلة، والطائرة. أمام مفارقة سريالية تقترب من الموت السريري. لم تعد القضية مجرد انسحاب عابر أو تجميد نشاط لنادٍ هنا أو هناك بل تحولت إلى ظاهرة نزوح جماعي تدق ناقوس الخطر. حين تُقرر أندية ذات ملاءة مالية فلكية، مثل الهلال والنصر والأهلي، تهميش هذه الألعاب أو التخلص من تكاليفها، في وقتٍ تُنفق فيه على صفقة كروية واحدة ما يكفي لتسيير بطولات صالات لمواسم متعاقبة.
المعضلة لم تعد تقتصر على هجر الكبار لساحة المنافسة، بل امتدت شظاياها لتصيب الأندية «الكادحة» وذات الإرث التاريخي في هذه الألعاب تلك الأندية التي كانت حتى وقت قريب حامية الهوية ورئة المنتخبات الوطنية. اليوم، باتت هذه الأندية تفكر بجدية في رفع الراية البيضاء وتجميد أنشطتها قسراً. والسبب؟ اشتعال جنوني في بورصة عقود اللاعبين، وتضخم مفتعل حوّل سوق الصالات إلى حلبة مضاربات غير متكافئة تفوق قدرة الخزائن المتوسطة على الصمود.
هذا التضخم المالي لم يأتِ نتيجة جودة استثنائية أو عوائد تجارية ورعايات ضخمة تنعش الصناديق، بل ولد من رحم «فوضى الإدارة وغياب الفكر الاستثماري». لقد تعاملت بعض الإدارات مع الألعاب المختلفة بعقلية «الفزعة» والمباهاة اللحظية، ففتحت خزائنها بلا دراسة أو حوكمة، وضخت سيولة عمياء لخطف لاعبين محليين بأسعار فلكية لانتزاع بطولة قصيرة النفس، دون بناء قواعد سنية أو تأسيس استدامة مالية. والنتيجة؟ تشويه كارثي لقيمة السوق، وترك «أرض محروقة» خلفها عجزت معها بقية الأندية عن مجاراة تلك الرواتب الخيالية، لتصبح الخيارات أمامها مستحيلة: إما الإفلاس وتراكم الديون، أو تجميد النشاط والهروب إلى الظل.
السؤال الأكثر إلحاحاً وحرقة في الشارع الرياضي: من المسؤول عن هذا الانحدار؟
الأصابع هنا لا يمكن أن تشير إلى طرف واحد وتبرئ الآخر؛ فالمسؤولية تتوزع في مثلث واضح المعالم:

إدارات أندية تفتقر للرؤية: ترى النادي مجرد «دكان لكرة القدم»، وتدير أموال الألعاب المختلفة بارتجالية فجة تخلو من أبسط معايير الكفاءة المالية، متناسية أن القيمة المجتمعية للنادي تكمن في شموله الرياضي لا في اختزاله داخل المستطيل الأخضر.

اتحادات رياضية وقفت موقف المتفرج: اتحادات اليد والسلة والطائرة تتحمل وزراً كبيراً بتأخرها في سن تشريعات صارمة تحمي اللعبة؛ فلا «سقف عادل للأجور» يكبح جماح المضاربات، ولا لوائح «لعب مالي نظيف» تُجبر الأندية على الصرف وفق دخلها الحقيقي، مما حوّل بطولاتها إلى ساحة مفتوحة لمن يدفع أكثر ويفسد السوق أولاً.

غياب منظومة الإلزام المؤسسي: تأخر ربط معايير الدعم المؤسسي والحوكمة بمدى التزام الأندية الكبرى بالمنافسة الجادة في كافة الألعاب، وترك مصير ألعاب تمثل الوطن قارياً ودولياً رهن مزاجية رئيس نادٍ يقرر شطب فريق بلحظة. و رغبة في توفير فتات مالي.
إن استمرار هذا النزيف يعني تجفيف منابع المواهب الوطنية وضرب المنتخبات في مقتل. فالبطولات التي تفقد أنديتها الجماهيرية تفقد بريقها، والدوريات التي تعجز أنديتها المتوسطة عن المشاركة تفقد معناها وقيمتها التنافسية.

ومضة أخيرة:

لم يعد الصمت ممكناً فالصالات التي صدحت بالهتاف لعقود يهددها شبح الإقفال بالشمع الأحمر الرياضي. إنقاذ ألعاب اليد والسلة والطائرة يتطلب تدخلاً حاسماً يفرض سقفاً للأجور، ويعيد ضبط بوصلة الدعم المالي بربطه بشمولية الألعاب، ويحاسب كل إدارة تعبث باستقرار السوق الرياضي. فالأندية ملك للمجتمع وللوطن بكل ألعابه، وليست مجرد شركات تجارية تقتطع من جسد الرياضة ما تشاء متى عجزت عن إدارة أموالها بوعي ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com