مقالات رأي

عبدالله العبيدي يكتب:” علي سعيد مرار: هندسة الأرقام وصناعة مجد «العالمي»”

 

لكل إنسان في حياتنا حكاية، ولكل صديق مساحة خاصة في الذاكرة. أما أخي وصديقي علي سعيد مرار، فتختصر حكايته مزيجًا جميلًا من الصداقة والوفاء والشغف، وترويها الأرقام كما يرويها القلب.

يُعرف علي سعيد بين محبيه بـ«صاحب الأرقام المزدوجة»؛ لأنه حين يتحدث عن التاريخ، يستحضر الأرقام، وحين يستعرض الإنجازات، يحفظ تفاصيلها كما لو كانت صفحات من ذاكرته. يؤمن بأن الرقم ذاكرة، وأن البطولة تاريخ، وأن وراء كل رقم رجالًا بذلوا جهدًا وقدموا الكثير من أجل أن تبقى الراية عالية.

ومن هنا، ونحن نتحدث اليوم عن علي سعيد ومسيرته، فإننا لا نتحدث عن سردية بعينها، ولا نبحث عن رواية تُقدَّم على حساب أخرى؛ إنما نتحدث عن تاريخ يستحق أن يُوثَّق، ومرحلة تستحق أن تُحفظ تفاصيلها للأجيال القادمة. فالتاريخ الرياضي تصنعه النتائج، وتصنعه معها الوجوه التي وقفت خلف الإنجاز، والجهود التي بُذلت، واللحظات التي تحولت مع مرور الزمن إلى ذاكرة راسخة في وجدان المكان وأبنائه.

ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف كيف بدأت الحكاية، ومن هم الرجال الذين أسهموا في صناعتها، وكيف تحولت الأحلام إلى إنجازات أصبحت جزءًا من تاريخ مضر وكرة اليد السعودية.
عرفته منذ زمن بعيد، وتحديدًا في أيام «الباص الأصفر»؛ تلك الأيام التي ما زالت تحتفظ بمكانها الجميل في الذاكرة. كنا نستقل الحافلات الصفراء متجهين إلى المدينة المنورة، وكانت الرحلة تجمعنا كما جمعتنا بعدها سنوات طويلة من المحبة والصداقة.

نحن أبناء قرية واحدة، و«أولاد حارة» كما يحلو لنا أن نقول، ولذلك كانت علاقتنا أكبر من مجرد معرفة عابرة؛ كانت عشرة عمر، وذكريات، ومواقف، وأيامًا تركت أثرها في القلب.

وجمعتني بعلي سعيد أيضًا سنوات من العمل الرياضي، حين التقينا في إدارة «الرئيس الذهبي» سامي آل يتيم. كنت في تلك المرحلة مشرفًا على الجانب الرياضي، ثم أصبحت نائبًا للرئيس، وهناك تحولت علاقتنا من صداقة قديمة جمعتنا منذ أيام القرية والحارة، إلى شراكة في العمل، وتعاون في المسؤولية، وإيمان مشترك بأن مضر يستحق أن نبذل من أجله كل ما نستطيع.

كانت تلك السنوات من أجمل مراحل العمل الرياضي بالنسبة لي؛ ليس فقط لما تحقق فيها من إنجازات وبطولات، وإنما لما جمعته من رجال آمنوا بالنادي وبقدرات أبنائه، وعملوا بروح الفريق الواحد. وكان علي سعيد واحدًا من أولئك الرجال الذين تركوا أثرًا واضحًا في تلك المرحلة، بما امتلكه من شغف بالرياضة، وحرص على التفاصيل، وإيمان بأن النجاح لا يأتي مصادفة، بل يصنعه العمل الجماعي وتكامل الأدوار.

ومن يعرف علي سعيد يعرف أن الرياضة بالنسبة له كانت شغفًا عاشه بكل تفاصيله. بدأ لاعبًا في نادي مضر، ثم مساعدًا للمدرب، وتدرج في العمل الرياضي حتى أصبح عضوًا في مجلس الإدارة. ومع كل خطوة، كان يحمل معه عقلًا هادئًا ورؤية مختلفة، حتى جاءت المحطة التي ارتبط فيها اسمه بواحدة من أهم مراحل كرة اليد في النادي، حين تولى الإشراف الإداري على اللعبة.

وهنا بدأت الحكاية تأخذ شكلًا آخر.

عام 2008 كان البداية التي يصعب أن تُنسى؛ ففيه حقق مضر أول بطولة في تاريخه، عندما توج بكأس النخبة. كانت لحظة صنعت فرحًا كبيرًا لأبناء النادي، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الطموح.

ومن كأس النخبة بدأت رحلة الصعود. بطولة تتبعها بطولة، وإنجاز يفتح الطريق لإنجاز آخر، حتى أصبح مضر حاضرًا بقوة على خارطة كرة اليد السعودية والآسيوية.

وفي 2010، جاءت المشاركة الآسيوية في لبنان، وهناك وصل مضر إلى المباراة النهائية وحل وصيفًا لكأس آسيا. كان المركز الثاني يومها يحمل في داخله الكثير من الفخر؛ فقد وقف مضر بين كبار القارة، وخرج من البطولة وهو يحمل احترام الجميع، ويؤكد أن الذهب الآسيوي أصبح هدفًا قريبًا.

ثم جاء عام 2011، العام الذي اكتملت فيه الصورة.

في الدمام، وعلى أرض الوطن، توج مضر بكأس آسيا، ليكتب صفحة ذهبية في تاريخ النادي وكرة اليد السعودية. كان التتويج لحظة تختصر سنوات من العمل والصبر والتعب؛ لحظة رأى فيها أبناء مضر ثمرة ما زرعوه، ووقف فيها الرجال الذين صنعوا ذلك الإنجاز أمام واحدة من أجمل لحظات الفخر.

ثم جاء عام 2012، لتتجاوز الحكاية حدود آسيا. شارك مضر في بطولة كأس العالم للأندية «السوبر جلوب» في قطر، وواصل حضوره في أكبر المحافل، ليصبح اسم «الزعيم المضراوي» حاضرًا في ذاكرة كرة اليد السعودية والعربية.

وراء كل هذه الأرقام حكايات رجال.

حكايات ساعات من العمل، واجتماعات، وسفر، وتحديات، وأحلام كبيرة عاشت رغم محدودية الإمكانات. وفي هذه الرحلة، يستحق أبناء النادي وإداراته وأجهزته الفنية ولاعبوه ومحبو مضر كل التقدير.

وتبقى إدارة «الرئيس الذهبي» سامي آل يتيم واحدة من العلامات المضيئة في تلك المرحلة، بما قدمته من عمل أسهم في صناعة مجد استثنائي للكيان، وبما ضمته من رجال تكاملت أدوارهم من أجل هدف واحد: أن يكون مضر حاضرًا في المكان الذي يستحقه.

أما علي سعيد، فقد كان واحدًا من أولئك الرجال الذين آمنوا بأن الحلم الكبير يبدأ بخطوة، وأن الإنجاز يحتاج إلى عقل يخطط وقلب يؤمن.

ولعل أجمل ما في علي سعيد أن علاقته بالرياضة امتدت مع السنوات، وحمل شغفه معه إلى «ديوانية الزعيم الرياضية»، التي أصبحت مع الوقت مساحة تجمع الرياضيين والمثقفين ومحبي الرياضة، وملتقى يستعيد فيه الجميع الذكريات ويتبادلون الرأي والفكرة.

كبرت الديوانية، وكبرت معها دائرة الحضور، حتى أصبحت تستقبل الأشقاء من دول الخليج والوطن العربي، واحتفت بالعديد من رؤساء الاتحادات والأندية الرياضية السعودية والعربية، لتتحول من ديوانية إلى ذاكرة رياضية مفتوحة، تحمل في جلساتها قصصًا عن الأمس، وأحلامًا للمستقبل.

حين أتأمل مسيرة علي سعيد، أتذكر أن بعض الأصدقاء لا تجمعنا بهم السنوات فقط، بل تجمعنا معهم تفاصيل لا تُنسى. من «الباص الأصفر» إلى ملاعب مضر، ومن ذكريات القرية والحارة إلى أروقة الإدارة ومنصات التتويج، امتدت رحلة طويلة تغيرت فيها الأماكن والأدوار، وبقيت المحبة كما هي.

ولهذا أقول إن «صاحب الأرقام المزدوجة» لم يكن مجرد رجل يحفظ الأرقام؛ كان رجلًا يعرف قيمة ما وراء الرقم.

فوراء كأس النخبة عام 2008 رجال حلموا، ووراء وصافة آسيا في لبنان عام 2010 رجال اقتربوا من المجد، ووراء كأس آسيا في الدمام عام 2011 رجال كتبوا التاريخ، ووراء السوبر جلوب في قطر عام 2012 رجال حملوا اسم مضر إلى العالم.

وفي نهاية الحكاية، تبقى الأرقام شاهدة، وتبقى البطولات في سجلات التاريخ، أما الذكريات الجميلة فتبقى في القلب.

وتلك هي حكاية علي سعيد مرار؛ صديق بدأت معه الحكاية في «الباص الأصفر»، واستمرت بين ملاعب الرياضة وأروقة العمل، وجمعتنا مسؤولية العمل في إدارة «الرئيس الذهبي»، قبل أن تستمر الحكاية في «ديوانية الزعيم»، حيث بقي الشغف حاضرًا، وبقيت المحبة أصدق من كل الأرقام.

بعض الرجال تصنعهم المناصب، وبعض الرجال هم من يمنحون المناصب قيمتها.

وعلي سعيد واحد من أولئك الذين تبقى بصمتهم حتى بعد أن تتغير المواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com