الميت الذي حرّك الأحياء!

العنوان لا يعبر عن تشييع الميت إلى مثواه الأخير، وإنما يعبر عمّا حدث في مدرجات ملعب نادي التعاون، خلال مباراته الدورية في الجولة السابعة أمام نادي الهلال، عندما أطلقت قلة من الجماهير الحاضرة اسم صديق المحترف البرتغالي نيفيز الراحل، جوتا، بأسلوب قديم عفا عليه الزمن، استهدف استفزاز اللاعب وإخراجه عن تركيزه.
وطبعًا، لم يتوقف الأمر عند حدود المدرجات، بل جعل الوسط الرياضي يتحرك دون هوادة، إلى درجة أننا نسينا الحديث عن المباريات والفرق واللاعبين من الجوانب الإيجابية والسلبية، كما جرت العادة في كل جولة؛ باستثناء الجولة السابعة، التي يمكن أن تحمل عنوانًا واحدًا: «الميت الذي حرّك الأحياء!»
وكأن فئة من الجماهير المتعصبة عرفت من أين تحرك المياه الراكدة، فأحدثت من خلالها فيضانات من ردود الفعل الغاضبة والمستفزة، وشارك فيها الإعلاميون المنتسبون إلى الوسط الرياضي، إلى جانب الجماهير، كلٌّ بطريقته.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شارك الاتحاد السعودي لكرة القدم ورابطة الدوري السعودي للمحترفين ببيانات استنكرت ما تعرض له اللاعب نيفيز من تشفٍّ وشماتة بوفاة أحد أصدقائه المقربين.
ومن الجانب الإنساني، فإن هذا الموقف يُعد أمرًا رائعًا، ويُحسب للمنظومة الرياضية التي تعاملت مع الموقف بحسٍّ مسؤول، وحرصت على حماية نفسية اللاعب من سلوك مسيء صدر عن فئة من الجماهير الموجودة في المدرجات.
ومن حق الجماهير أن تستفز لاعب الفريق المنافس بالأساليب المشروعة والمحمودة في كرة القدم؛ فمثلًا، إذا تعثر اللاعب في إحدى الكرات، فمن الطبيعي أن ترتفع صيحات الاستهجان ضده، وإذا أضاع هجمة محققة، قد تردد الجماهير عبارات تستفزه في إطار المنافسة الرياضية.
أما أن تصل الاستفزازات إلى الشماتة في وفاة إنسان، واستحضار اسم شخص راحل بهدف إخراج لاعب من تركيزه أو التأثير في نفسيته، فذلك أمر يتجاوز حدود المنافسة، ولا ينسجم مع القيم والأخلاق التي يفترض أن تتحلى بها جماهيرنا الرياضية والمسلمة.
ما حدث أعاد إلى ذهني المثل القائل: «النار من مستصغر الشرر»؛ فعبارة أطلقتها فئة قليلة في المدرجات تحولت إلى قضية شغلت الوسط الرياضي بأكمله، وتجاوز صداها حدود المباراة والنتيجة والأداء الفني.
ونحن نعلم أن الوسط الرياضي حساس للغاية، وأن الأمور فيه تؤخذ أحيانًا بعين العاطفة من جانب المحب، وبمنطق الضد من جانب مشجع الفريق المنافس.
لكن تبقى هناك حدود ينبغي ألا نتجاوزها، فالمنافسة الحقيقية تكون داخل الملعب، والاستفزاز جزء من أجوائها، أما استغلال وفاة إنسان في سبيل التأثير على لاعب، فليس من المنافسة في شيء.
وفي النهاية، ربما كان أغرب ما في الجولة السابعة أن ميتًا حرّك الأحياء أكثر مما حرّكتهم المباريات نفسها!



