نعمان عبدالغني يكتب:”التحكيم في كرة القدم بين النزاهة والانحياز”

يُعدّ التحكيم في كرة القدم أحد أهم ركائز العدالة الرياضية، إذ يضطلع الحكم بمسؤولية ضمان تكافؤ الفرص بين الفرق وتطبيق قوانين اللعبة بحياد واستقلالية. ومع ذلك، يظل التحكيم عرضةً للجدل، خصوصًا عندما تؤثر الأخطاء التحكيمية في نتائج المباريات، أو عندما تُفهم بعض القرارات على أنها انحياز أو محاباة، حتى وإن لم تكن وراءها نية مسبقة.
وتقوم نزاهة التحكيم على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها التطبيق الدقيق للقانون، والاستقلالية في اتخاذ القرار، والشجاعة في مواجهة الضغوط الجماهيرية والإعلامية والإدارية، إضافة إلى المحافظة على المصداقية والاحترام المتساوي لجميع اللاعبين والفرق.
ولا يعني التحكيم النزيه عصمة الحكم من الخطأ، فالخطأ البشري يظل واردًا، وإنما يتطلب الالتزام بالموضوعية والاتساق في تطبيق المعايير نفسها على جميع المتنافسين. ومن هنا تبرز أهمية تقنية حكم الفيديو المساعد VAR في مراجعة بعض الحالات المؤثرة، إلى جانب التكوين المستمر للحكام وتطوير قدراتهم الفنية والنفسية.
وفي المقابل، قد تؤدي الضغوط النفسية والجماهيرية، وسوء التموضع، وضعف التركيز، والتسرع في اتخاذ القرار إلى أخطاء تثير الشكوك. كما أن عدم الاتساق في توزيع البطاقات، أو احتساب ركلات الجزاء، أو قرارات التسلل، أو التعامل مع إضاعة الوقت، قد يترك انطباعًا بعدم المساواة بين الفريقين.
وتزداد حساسية الأمر في المباريات المصيرية، خصوصًا تلك المرتبطة بالتتويج أو التأهل أو تفادي الهبوط. لذلك يجب على الحكم أن يحافظ على المستوى نفسه من التركيز والانضباط طوال المباراة، دون أن يتأثر بأهمية النتيجة أو ردود فعل اللاعبين والجماهير.
كما أن السلوك الشخصي للحكم يمثل جزءًا من منظومة النزاهة؛ فالحفاظ على مسافة مهنية واضحة عن مسؤولي الأندية ومدربيها، وتجنب المواقف أو العلاقات التي قد تثير الشبهات، يساعدان على حماية مصداقيته وصورة التحكيم.
ومن أجل تعزيز العدالة الكروية، تبرز الحاجة إلى تكوين مستمر ومستقل، وتقييم دوري لأداء الحكام، وتحليل الحالات التحكيمية المثيرة للجدل، وتفعيل تقنية VAR وفق معايير واضحة، وتعزيز الشفافية في معالجة الشكاوى، مع احترام استقلال الهيئات المختصة.
إن التحكيم الناجح لا يُقاس فقط بصحة القرارات، بل أيضًا بمدى اتساقها ووضوحها وحيادها. فثقة الجماهير في اللعبة ترتبط بدرجة كبيرة بثقتها في نزاهة من يديرون منافساتها.
لا رياضة عادلة دون تحكيم عادل، ولا تحكيم نزيه دون استقلالية وشفافية ومحاسبة مهنية.



