ترياء البنا تكتب:”الكرة المصرية إلى أين؟”

منذ فترة طويلة وبالتحديد 2020 لم أعد أُشغل بالكرة المصرية، لأنني وقتها أدركت أن إدارة الكرة تخطت حدود اللعبة، ليس فقط على مستوى البطولة المحلية( فحين يعلن وزير الشباب والرياضة أن التقارير الأمنية تؤكد أن فوز فريق بعينه يؤدي إلى سعادة الشعب وتقل الفوضى، فعن أية لعبة نتحدث؟)، أو حتى في البطولة القارية( كيف لأحد طرفي نهائي قاري أن يتحكم في اختيار حكم اللقاء، لا نريد رضوان جيد بل نريد مصطفى غربال، فعن أية شفافية نتحدث؟).
الأمر لم يكن وليد هذه الأحداث، وإنما قد سبقها منذ سنوات، بإعلان منتخب ونادي القرن الأفريقي، والذي يوقن الجميع في مصر على اختلاف انتماءاتهم، أن منتخب مصر هو منتخب القرن ونادي الزمالك هو نادي القرن، ولكن الاتحاد الأفريقي( الأعضاء أصحاب الانتماءات ورئيس الاتحاد الذي منح منتخب بلاده اللقب) كان لهم رأي آخر، والسؤال بعد ذلك وبعد كل الأحداث التي صاحبت البطولات المحلية في مصر والبطولات الأفريقية، التي صبت في مصلحة فريق واحد طيلة سنوات( هذا ما أكده رئيس الاتحاد الأفريقي خلال آخر مؤتمر صحفي له، حين أكد “الكرة الأفريقية عانت من تحيز الحكام طيلة السنوات الماضية، لا يمكن أن ننكر ذلك” )، من المستفيد من كل ذلك؟، الإجابة القاطعة: النادي الأهلي المصري.
لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الكلام، لأنه موثق بالصوت والصورة على الشاشات، والآن نحن أمام تبعات الفساد الذي استشرى في جسد الرياضة المصرية( كما ادعى الكابتن أسامة حسني على قناة الأهلي)، ولمن يتساءل أي فساد؟، أقول له، حين يسعى ناد بعينه( والذي يسميه جماهيره نادي الدولة، قبل جماهير الخصوم)، إلى تفريغ الأندية الكبرى من أهم لاعبيها، والمثال الأوضح والمؤلم للجماهير المصرية نادي الإسماعيلي، الذي تأكد هبوطه هذا الموسم، بعدما كان الضلع الثالث للكرة المصرية، وكذلك بقية الأندية وآخرها الزمالك، في سياسة إدارية لا تمت للنزاهة في المنافسة بأي شكل من الأشكال، وملايين الدولارات التي لم يسأل أي جهاز رقابة عن مصدرها.
ولمن يريد أن يتأكد يراجع الأحداث طيلة المواسم الماضية، ولعل أقربها دوري الموسم الماضي، والذي طبقا للوائح يكون بطله نادي بيراميدز، ولكن (لأخطاء إدارية) ذهب اللقب للأهلي فكيف يحدث ذلك؟، لأول مرة في تاريخ كرة القدم نرى فريقين في آخر لقاءاتهما يحتفلان بحصد اللقب!.
الغريب في الأمر هو ما نشاهده الآن من القيامة القائمة لأن الأهلي لم تُحتسب له ركلة جزاء في مباراة سيراميكا كليوباترا، جميع وسائل الإعلام، جميع البرامج، كافة صفحات السوشيال ميديا، ليس لها حديث إلا عن ركلة الجزاء، والأدهى من ذلك ما ذهبت إليه قناة النادي الخاصة، بأن المنظومة الرياضية في مصر فاسدة مثل الفساد المستشري في البلد، وأن هناك مؤامرة على فشل النادي، ليس فقط على مستوى البطولات المحلية، ولكن أيضا على مستوى البطولة الأفريقية( لصالح الترجي، الذي هو قاب قوسين أو أدنى من الخروج من البطولة أمام صنداونز الجنوب أفريقي)، إذن الأهلي بإعلامه يُصدّر فكرة نظرية المؤامرة، من أجل ركلة جزاء اُختلف عليها، ولأنه طالب في لقاء القمة بحكام أجانب ولم ينفذ له الاتحاد ما أراده، والسؤال كم مرة حقق النادي الأهلي الألقاب بركلات جزاء مشكوك في صحتها( بحجة أن الحكم بشر يصيب ويخطئ)، فمن منا ينسى ركلة الجزاء التي احتسبت لمحمد أبوتريكة أمام الترسانة، وحين سُئل، قال( الدوري كان هيضيع قلت أعمل أي حاجة)، أما الآن فقد توفرت تقنية حكم الفيديو المساعد( VAR)، والتي من خلالها تتم إعادة اللعبات أكثر من مرة إذا تواجد شك.
وعلى الجانب الآخر، أتساءل من أكثر ناد في مصر تعرض للظلم بسبب التحكيم وغيره، وكم مرة طالب بحكام أجانب لمباراة القمة؟، وحين يتحدث أحد منتسبيه يقال إنهم يعيشون نظرية المؤامرة، ومن منا ينسى ركلة الجزاء المستحقة للزمالك أمام المقاصة، حين ارتمى المدافع أحمد سامي كحارس المرمى وأخرج الكرة بيده، في لقطة أضحكت العالم كله على عدم احتسابها، وغيرها الكثير لجميع الأندية المصرية، إذن فماذا يحدث الآن لمشاهدة ما نشاهده؟.
الإجابة هي أن إدارة النادي الأهلي صرفت الملايين في صفقات(فشنك)، لأن هدفها لم يكن خدمة الفريق بقدر ما هو (شو إعلامي)، بخطف نجوم الخصوم، والنتيجة موسم صفري، لم يتبق منه سوى الدوري والذي يحتل فيه الفريق المركز الثالث، ولا يقدم الأداء الفني الذي يؤهله للحفاظ على هذا المركز والمشاركة في البطولة الأفريقية الكبرى، في ظل المشكلات الداخلية بالفريق نتيجة تفاوت العقود بين النجوم، فيكون الحل الأسهل إثارة المشكلات وتصدير فكرة المؤامرة على الفريق أفريقيا ومحليا، حتى تظل الإدارة في مأمن من جماهيرها، والتي هي بعينها تدرك أنه لا مكان لمؤامرة ولا شيء، وترى أن لاعبيها لم يقدموا شيئا خلال المنافسات يستحقون في مقابله الفوز، خاصة وهم يرون شباب الخصم الأول ومتصدر الدوري يأكلون النجيلة من أجل إثبات أنفسهم رغم الظروف القاهرة التي يمر بها النادي الذي تم إيقاف قيده 14 مرة، وهرب منه النجوم، واللاعبون لا يتقاضون مستحقاتهم، ولا زال منافسا قويا على الدوري والكونفيدرالية.
الخلاصة.. جماهير الأهلي قبل جماهير بقية الأندية المصرية تفهم ما يدور وتدرك الفشل الذريع للإدارة التي خرجت عن إطار اللعبة، أما ما نراه فهو نتيجة طبيعية للتدليل الذي باتت الكرة المصرية تدفع ثمنه، وأول الأثمان غياب المنتخب الوطني عن منصات التتويج، وعلى القائمين على الرياضة المصرية التعامل بحسم مع الجميع لأن الأمر تعدى حدود المنطق، فهل لكم أن تدركوا بم نشعر حين نرى الاستوديوهات التحليلية للأشقاء العرب وما يقال خلالها عن الكرة المصرية، خاصة حين يقال: عضو مجلس إدارة ناد يدخل إلى أرض الملعب مختالا بنفسه يضع يديه في جيبه ويقول للحكم انظر إلى وجهي جيدا لأنك لن تراه مرة ثانية ولن تحكم ثانية، استفيقوا يرحمكم الله.



