فاضل الزريقي يكتب:”كرة اليد التاروتية… نعمة أم نقمة؟!”

منذ عقود طويلة، لم تكن كرة اليد في جزيرة تاروت ومحافظة القطيف مجرد لعبة رياضية تُمارس داخل الصالات، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من هوية المجتمع، وعنوانًا للفخر والانتماء، وإرثًا يتناقله الآباء إلى الأبناء جيلًا بعد جيل. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الرياضة إلى العشق الأول لأبناء المنطقة، حتى نافست كرة القدم في شعبيتها وحضورها، وأصبحت اللعبة الأكثر تأثيرًا في المشهد الرياضي والاجتماعي.
وليس من المبالغة القول إن معظم المنازل في القطيف تحتضن قصة مرتبطة بكرة اليد؛ فإما لاعب سابق، أو مدرب، أو إداري، أو مشجع لا تفوته مباراة، ما يؤكد أن اللعبة تجاوزت حدود المنافسة الرياضية لتصبح ثقافة راسخة وجزءًا من الذاكرة الجماعية لأبناء المحافظة.
إرثٌ صُنع بالإرادة لا بالإمكانات
ما يميز كرة اليد القطيفية أنها لم تولد في بيئة مثالية أو في ظل وفرة الإمكانات، بل خرجت من رحم المعاناة والتحديات. ففي بداياتها، كانت معظم الأندية تفتقر إلى الصالات الرياضية الحديثة والتجهيزات اللازمة، في وقت كان الاهتمام الأكبر موجّهًا إلى كرة القدم.
ورغم ذلك، استطاع أبناء المنطقة أن يشقوا طريقهم بعزيمة استثنائية، فكان نادي الخليج يتدرب على ملاعب خرسانية شُيّدت بسواعد محبيه، وسار على النهج ذاته نادي النور ونادي مضر وغيرهم من أندية المحافظة التي تشترك جميعها في قصة كفاح واحدة.
ومن هنا، لم تكن كرة اليد يومًا رياضة رفاهية، بل كانت مدرسة في الصبر والانضباط والتحدي، ودليلًا حيًا على قدرة أبناء المنطقة على صناعة النجاح مهما كانت الظروف.
تاروت… أرضٌ أنجبت الشغف
في جزيرة تاروت تحديدًا، اتخذت كرة اليد بعدًا أعمق من مجرد لعبة، إذ أصبحت مشروعًا مجتمعيًا يجمع الأهالي حول هدف واحد، ويمنح الشباب مساحة للتفوق والتميز، ويعزز قيم الانتماء والعمل الجماعي.
ومع كل جيل جديد، يتجدد الحلم، وتستمر الرغبة في كتابة فصل جديد من تاريخ اللعبة، بما يليق باسم تاروت ومكانتها الرياضية العريقة.
نادي الهدى… الحلم الذي يواجه التحديات
يُعد نادي الهدى أحد أبرز النماذج الحديثة التي جسدت روح التحدي والإصرار. فمنذ أربعة مواسم فقط، بدأ النادي مشروعًا طموحًا لبناء فريق قادر على المنافسة مع كبار كرة اليد السعودية، ونجح خلال فترة وجيزة في تحقيق إنجازات لافتة واعتلاء منصات التتويج.
لكن هذه المسيرة الواعدة تواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالإمكانات والدعم والاستقرار، وهي تحديات قد تؤثر على مستقبل المشروع إذا لم تجد الاهتمام والرعاية اللازمة من جميع الأطراف.
نعمة حين تُحتضن… ونقمة حين تُهمَل
السؤال المطروح: هل كرة اليد التاروتية نعمة أم نقمة؟
الجواب يعتمد على طريقة تعاملنا معها.
فهي نعمة عظيمة حين تكون وسيلة لصناعة الأبطال، وتوحيد المجتمع، وتعزيز صورة المنطقة، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب. لكنها قد تتحول إلى عبء مؤلم عندما تُترك الأندية وحيدة في مواجهة التحديات، وعندما تضيع الإنجازات بسبب ضعف الدعم أو غياب التخطيط والاستدامة.
مسؤولية مشتركة لحماية الإرث
الحفاظ على كرة اليد في تاروت والقطيف ليس مسؤولية الأندية وحدها، بل هو واجب جماعي تشترك فيه الإدارات الرياضية، ورجال الأعمال، والإعلام، والجماهير، وكل من يؤمن بأن هذه اللعبة تمثل أحد أهم مكتسبات المنطقة.
فالإرث الذي بُني على مدى عقود لا يجوز أن يتراجع، والطموحات التي تحققت بتضحيات كبيرة تستحق أن تجد من يصونها ويواصل البناء عليها.
خاتمة
كرة اليد التاروتية كانت وما زالت نعمة كبيرة، صنعت المجد، وأفرحت الجماهير، وقدمت نماذج مشرّفة للنجاح والعطاء. لكنها تحتاج اليوم إلى من يحتضنها ويحافظ عليها، حتى تبقى مصدر فخر لأبناء تاروت والقطيف، وتواصل كتابة تاريخها بأحرف من ذهب.



