مقالات رأي

 عودة النصر مرعبة 

 

منذ أن وطأت أقدام كرستيانو رونالدو الملاعب السعودية، لم يعد الحديث عن كرة القدم مجرد تحليل فني أو تنافس رياضي طبيعي، بل تحوّل المشهد بالكامل إلى حالة استنفار إعلامي وجماهيري غير مسبوقة، وكأن وجود النصر ورونالدو تحديدًا أصبح قضية تُناقش خارج حدود المستطيل الأخضر.

كل تفصيلة صغيرة يتم تضخيمها، وكل لقطة عابرة تتحول إلى قضية رأي عام، بينما تمر مواقف مشابهة وربما أكثر وضوحًا بصمتٍ غريب لا يتناسب مع حجم الضجيج الذي يسبق أي مشهد يكون فيه النصر طرفًا حاضرًا.

الجميع يتذكر دموع المدرب نور الدين
بن زكري بعد مواجهة النصر، وكيف تم تصوير المشهد وكأنه “حزن مشروع” على نتيجة استثنائية، رغم أن بن زكري نفسه لم يظهر بنفس الانفعال أو الحسرة بعد خسارة كأس الخليج، وهو ما فتح باب التساؤلات حول سبب تضخيم المشهد فقط عندما يكون النصر طرفًا في القصة.

وفي المقابل، شاهدنا فرحة علي البليهي وهو يُظهر انتماءه للهلال رغم ارتدائه شعار الشباب حينها، دون أن نشاهد نفس حملات الحديث عن الحياد أو التأثير على المنافسة
مرت اللقطة بهدوء، بينما أي تصرف أو احتفال أو تصريح مرتبط بالنصر يتحول سريعًا إلى مادة للنقد والتشكيك والتأويل.

أما ما حدث من بعض لاعبي الأهلي بعد مباراة الفيحاء، والتلميحات المتكررة بأن الدوري “مُفصل لرونالدو”، فقد عكس حجم الاحتقان الذي تم تغذيته طوال الموسم
لم يعد الخلاف مجرد نقاش تحكيمي طبيعي، بل أصبح خطابًا متكررًا يحاول إقناع الجماهير بأن أي قرار لصالح النصر أمر غير مستحق، بينما يتم التعامل مع الأخطاء ضده وكأنها جزء اعتيادي من كرة القدم.

النصر أصبح النادي الوحيد الذي يُطالب بإثبات أحقية كل انتصار يحققه، بينما تُمنح بقية الفرق مساحة واسعة من الصمت أو التبرير.
حتى وجود رونالدو، الذي يُفترض أنه مكسب تاريخي للدوري السعودي من الناحية الفنية والتسويقية والإعلامية، تحوّل عند البعض إلى هاجس دائم.
بدل الحديث عن القيمة التي أضافها للدوري، أصبح التركيز منصبًا على ضرورة التقليل من أي نجاح يحققه.

ثم جاءت لقطة تمريرة لاعب الخليج لتكشف حجم التناقض بشكل أوضح
فاللقطة لم تتوقف عند حدود الجدل المحلي، بل تحولت إلى مادة سخرية حتى لدى بعض المتابعين والإعلام الخارجي، بسبب غرابة المشهد والطريقة التي تم التعامل بها معه.
ورغم ذلك، اختفى الصخب فجأة، وهدأت الأصوات التي اعتادت رفع شعارات “العدالة الرياضية”، وكأن المعايير تتغير بحسب هوية المستفيد من اللقطة.

ما يحدث منذ فترة لم يعد مجرد نقد رياضي طبيعي، بل محاولة مستمرة لصناعة رأي عام يُشكك في أي نجاح نصراوي، ويحوّل كل انتصار إلى قضية جدلية قبل الاحتفاء به
وهذه ليست منافسة صحية بقدر ما هي محاولة دائمة لسحب الشرعية المعنوية من أي تفوق يحققه النصر.

المفارقة أن النصر، رغم كل هذا الضغط، ما زال حاضرًا في قلب المشهد، وما زال اسم رونالدو الأكثر تأثيرًا وإثارة للمتابعة والجدل.
فلو كان وجوده عاديًا، لما احتاج البعض لكل هذا الجهد لمحاربته إعلاميًا وجماهيريًا.

التاريخ الرياضي لا يتذكر الضجيج بقدر ما يتذكر من صمد أمامه، وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم:
البطولات تُحسم داخل الملعب، أما الروايات والصخب الإعلامي فمصيرها الزوال مع مرور الوقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com