حسين أبوتاكي يكتب:”إعلام المصالح.. عندما تغيب المهنية وتحضر الميول”

في الماضي كان المتابع الرياضي يبحث عن الخبر من الإعلامي، أما اليوم فأصبح يبحث أولًا عن هوية الإعلامي وانتماءاته وعلاقاته ومصالحه قبل أن يقرر مدى تصديقه لما يقول.
هذه الحقيقة المؤسفة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة سنوات طويلة من تراجع المهنية أمام نفوذ المصالح الشخصية والميول الرياضية والتحالفات غير المعلنة التي باتت تتحكم في جزء كبير من المشهد الإعلامي الرياضي.
أحد أكبر أمراض الإعلام الرياضي المعاصر هو ما يمكن تسميته بـ”إعلام المصالح”. فبعض الأصوات الإعلامية لم تعد تنطلق من قناعة مهنية أو رؤية مستقلة، بل من حسابات شخصية ترتبط بمكاسب معينة أو علاقات مع مسؤولين أو إدارات أندية أو أطراف مؤثرة داخل الوسط الرياضي. ولذلك نشاهد المواقف تتغير بسرعة مذهلة؛ فالشخص الذي كان يُصوّر على أنه سبب كل المشكلات قد يتحول فجأة إلى شخصية استثنائية بمجرد تغير المصالح، والعكس صحيح.
وفي موازاة ذلك، برزت ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي “إعلام القروبات”، حيث تتشكل دوائر مغلقة تتبادل المعلومات والتوجيهات وتنسق الرسائل الإعلامية بصورة تجعل المتابع يشعر أحيانًا أن عشرات الأصوات المختلفة تتحدث بلسان واحد. تتشابه العناوين، وتتكرر المصطلحات، وتتوحد زوايا الطرح، وكأن الرأي لم يعد ناتجًا عن اجتهاد فردي بقدر ما هو انعكاس لتوافقات جماعية تخدم أهدافًا محددة.
لكن الخلل لا يتوقف عند المصالح فقط، بل يمتد إلى قضية أكثر تجذرًا في الإعلام الرياضي، وهي هيمنة الميول على المهنية.
لا يوجد ما يعيب أن يكون للإعلامي ميول رياضية، فالإعلامي في النهاية إنسان ومشجع قبل أن يكون صاحب مهنة. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الميول إلى معيار للحكم على الأحداث والأشخاص والقرارات.
عندما يصبح الخطأ مقبولًا إذا صدر من النادي الذي نشجعه، وجريمة إذا صدر من منافسه، وعندما يتم تضخيم الإنجازات أو التقليل منها وفق لون القميص لا وفق الحقائق، فإننا نكون أمام إعلام الميول لا إعلام المهنة.
في كثير من البرامج الرياضية لم يعد النقاش يدور حول الوقائع بقدر ما يدور حول الانتماءات. وأصبح بعض الإعلاميين أقرب إلى ممثلي جماهير أنديتهم منهم إلى إعلاميين يفترض أن يقدموا رؤية متوازنة وموضوعية. والنتيجة هي حالة من الاستقطاب الحاد، يتحول فيها الجمهور إلى جماعات متصارعة، بينما تتراجع قيمة المعلومة والتحليل المهني.
الأزمة الحقيقية أن هذه الممارسات أسهمت في تآكل الثقة بالإعلام الرياضي. فالمتابع أصبح يتوقع مسبقًا موقف بعض الإعلاميين قبل أن يتحدثوا، ليس لأنه يعرف رأيهم المهني، بل لأنه يعرف مصالحهم أو ميولهم أو الجهة التي يقفون معها.
ورغم كل ذلك، لا يزال الوسط الرياضي يضم نماذج محترمة تحافظ على استقلاليتها وتدفع ثمن مواقفها أحيانًا. هؤلاء هم من يمنحون الجمهور الأمل بأن الإعلام الرياضي يمكن أن يستعيد دوره الحقيقي، بعيدًا عن حسابات المصالح وضغوط القروبات وسطوة الميول.
فالإعلام الذي يفقد استقلاليته يتحول إلى أداة، والإعلام الذي تحكمه الميول يفقد مصداقيته، أما الإعلام الذي يجمع بين المصالح والميول معًا فإنه يفقد كل شيء.



