مقالات رأي

ماذا بعد جيسوس؟

 

في كرة القدم، هناك مدربون يحققون البطولات، وهناك مدربون يتركون منظومات كاملة خلفهم. وحين يغادر النوع الثاني، لا يكون السؤال: من المدرب القادم؟ بل كيف نحافظ على ما تم بناؤه؟

رحيل جيسوس لا يمثل نهاية مرحلة فنية فحسب، بل بداية اختبار حقيقي لإدارة النادي. فالمدرب البرتغالي لم يترك فريقاً يعتمد على لحظة فردية أو لاعب استثنائي، بل ترك منظومة متكاملة، وهوية واضحة، وفلسفة عمل امتدت من التدريبات اليومية إلى طريقة التفكير داخل الملعب.

ولهذا فإن الخطر الأكبر لا يكمن في اختيار مدرب جديد، بل في الوقوع في فخ التغيير من أجل التغيير.

فالفرق الكبرى لا تبدأ من الصفر كلما رحل مدرب. المؤسسات الناجحة تبني على ما تحقق، وتحافظ على المكتسبات، وتبحث عمن يطور المشروع لا عمن يهدمه ويعيد تشكيله وفق رؤيته الخاصة.

من هنا تبدو مهمة الإدارة أكثر تعقيداً مما يعتقد البعض.

القرار اليوم ليس قرار اسم بقدر ما هو قرار هوية.

هل تريد الإدارة مدرباً يستمر على النهج ذاته؟ أم تبحث عن شخصية تقدم إضافة جديدة دون أن تمس الأساس الذي بُني خلال السنوات الماضية؟

الإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل المرحلة المقبلة بأكملها.

المنطق يقول إن المدرب القادم يجب أن يمتلك عدة صفات أساسية؛ أولها القدرة على إدارة النجوم، فالفريق يضم أسماء كبيرة اعتادت المنافسة والانتصارات. وثانيها الإيمان بكرة القدم الحديثة القائمة على الضغط والتنظيم والسرعة. أما ثالثها فهو الأهم: احترام الإرث الفني الذي تركه جيسوس وعدم التعامل معه كصفحة يجب تمزيقها.

ولذلك فإن المدرسة الأقرب للنجاح قد تكون المدرسة التي تشبه المشروع الحالي أكثر من غيرها.

فالأندية التي تحقق الاستقرار لا تبحث دائماً عن الأسماء الأعلى ضجيجاً، بل عن الشخصيات القادرة على الاندماج سريعاً مع بيئة العمل القائمة.

قد يكون المدرب القادم اسماً عالمياً معروفاً، وقد يكون مفاجأة لا يتوقعها الجمهور، لكن معيار النجاح الحقيقي لن يكون في حجم السيرة الذاتية، بل في القدرة على الحفاظ على التوازن الذي وصل إليه الفريق.

إن ما تركه جيسوس اليوم يشبه البناء الشاهق أكثر مما يشبه الفريق العادي.

والبناء الشاهق لا يحتاج إلى من يهدمه ليُثبت حضوره، بل إلى مهندس يعرف كيف يضيف طابقاً جديداً دون أن يمس الأساسات.

لهذا فإن المرحلة المقبلة ليست مرحلة البحث عن بديل لجيسوس بقدر ما هي مرحلة البحث عن وريث للمشروع.

فالبطولات يمكن تعويضها، أما الهوية فبناؤها يحتاج سنوات.

وإذا كانت الإدارة قد نجحت في صناعة منظومة قوية خلال السنوات الماضية، فإن نجاحها الأكبر سيكون في المحافظة عليها بعد رحيل الرجل الذي كان أحد أبرز مهندسيها.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي…

ليس: من سيأتي بعد جيسوس؟

بل: هل سيحافظ القادم على ما بناه جيسوس، أم سنشهد ولادة مشروع جديد بكل ما يحمله من مخاطر وتحديات؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن التحدي الأكبر لا يقف على خط التماس، بل يجلس اليوم على طاولة القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com